Al Massara

19 August 2026

التجلّي… عندما أشرق مجد المسيح على جبل طابور

A-
A
A+

عيد النور الإلهي الذي يكشف هوية المسيح ويدعو الإنسان إلى أن يتجلّى بالنعمة

 

في السادس من آب من كل عام، ترتفع الكنيسة في الشرق والغرب إلى جبل طابور، لا بالجسد بل بالإيمان، لتحتفل بأحد أبهى أسرار الخلاص: عيد تجلّي الرب يسوع المسيح. إنه العيد الذي انكشف فيه، ولو للحظات، مجد الابن الوحيد أمام ثلاثة من تلاميذه: بطرس ويعقوب ويوحنا، فصار وجهه يشرق كالشمس، وثيابه تلمع كالنور، بينما غمرتهم سحابة مجيدة، وسمعوا صوت الآب يقول: “هذا هو ابني الحبيب… له اسمعوا”. ويُعدّ هذا الحدث من أبرز المحطات الإنجيلية التي تؤكد هوية المسيح الإلهية، كما تهيئ التلاميذ لفهم سر الصليب والقيامة.

جبل طابور… حيث التقت السماء بالأرض

يروي الإنجيليون متى ومرقس ولوقا أن يسوع اصطحب بطرس ويعقوب ويوحنا إلى جبل عالٍ، وهناك تبدّل منظره أمامهم. لم يكن التجلي تغييرًا في شخص المسيح، بل كشفًا لمجده الإلهي الذي كان مستورًا خلف تواضع التجسد.

وظهر إلى جانبه موسى ممثلًا للشريعة، وإيليا ممثلًا للأنبياء، في إعلان واضح أن المسيح هو تحقيق كل مواعيد العهد القديم، وغاية الناموس والأنبياء. ثم جاءت السحابة المضيئة، رمز حضور الله، ليُسمع صوت الآب: “هذا هو ابني الحبيب… له اسمعوا”، وهي دعوة لا تزال تتردد في قلب الكنيسة حتى اليوم.

لماذا سبق التجلي الصليب؟

تجمع الكنيسة، شرقًا وغربًا، على أن سر التجلي لم يكن حدثًا منفصلًا عن آلام المسيح، بل إعدادًا للتلاميذ قبل الدخول في ظلمة الجلجلة.

لقد أراد الرب أن يمنحهم لمحة من مجده، حتى إذا رأوه مصلوبًا، أدركوا أن آلامه لم تكن هزيمة، بل طريقًا إلى القيامة. ولهذا يرى آباء الكنيسة أن جبل طابور وجبل الجلجلة يشكلان معًا وجهين لسر واحد: فالمجد يمر عبر الصليب، والنور يشرق من قلب الألم.

“يا رب، حسنٌ أن نكون ههنا”

اندفع بطرس الرسول، وقد غمره بهاء المشهد، قائلاً: “يا رب، حسنٌ أن نكون ههنا”.

إنها ليست مجرد عبارة إعجاب، بل صلاة كل مؤمن يختبر حضور الله في حياته. غير أن المسيح لم يسمح لتلاميذه بالبقاء فوق الجبل، لأن رسالة الكنيسة لا تكتمل في التأمل وحده، بل في النزول إلى العالم لحمل نور الإنجيل إلى كل إنسان.

فالخبرة الروحية الحقيقية لا تدفع إلى الهروب من الواقع، بل إلى العودة إليه بقلب متجدد، يحمل السلام والرجاء والمحبة.

عيد يجمع الشرق والغرب

يتميز عيد التجلي بأنه من الأعياد القليلة التي يحتفل بها المسيحيون في الشرق والغرب في التاريخ الليتورجي نفسه، في السادس من آب.

وترجع جذور هذا العيد إلى القرون الأولى، إذ ارتبط بتكريس الكنائس التي شُيدت على جبل طابور منذ أواخر القرن الخامس، ثم انتشر في الكنيسة الغربية، وأُدرج رسميًا في التقويم الروماني سنة ١٤٥٧. كما يقع قبل أربعين يومًا من عيد ارتفاع الصليب، في إشارة ليتورجية عميقة تربط بين مجد المسيح وآلامه الخلاصية.

النور الذي يغيّر الإنسان

لا يدعو عيد التجلي المؤمنين إلى التأمل في مجد المسيح فحسب، بل إلى أن يسمحوا لهذا النور بأن يغيّر حياتهم.

فالقديسون يعلّمون أن التجلّي ليس حدثًا يخص المسيح وحده، بل هو دعوة لكل إنسان ليصير “هيكلًا للنور”، عندما يسمح للنعمة بأن تُبدّل قلبه، وللصلاة بأن تنقّي نظرته، وللمحبة بأن تصير أسلوب حياته.

إن الوجه الذي أشرق على طابور هو الوجه نفسه الذي انحنى ليغسل أقدام تلاميذه، وهو نفسه الذي تألم على الصليب، وقام من بين الأموات. لذلك فإن المجد الحقيقي في المسيحية لا ينفصل عن التواضع والخدمة.

في التقليد الشرقي… عيد البركة والثمار

تحمل الكنائس الشرقية هذا العيد بمحبة خاصة، إذ يرتبط أيضًا ببركة باكورات العنب والثمار، في إشارة رمزية إلى أن الخليقة كلها مدعوة إلى أن تتقدس في المسيح.

فكما تبدّل وجه الرب بالنور، هكذا تُقدَّم ثمار الأرض شاكرةً لخالقها، علامةً على أن الخليقة تنتظر هي أيضًا تجددها الكامل في ملكوت الله.

رسالة التجلّي في عالم اليوم

في عالم يمتلئ بالحروب والقلق والانقسامات، يبقى عيد التجلي دعوة متجددة لرفع الأنظار نحو المسيح، النور الحقيقي.

إن الكنيسة لا تحتفل بالتجلي لتتذكر حدثًا مضى، بل لتعلن أن نور المسيح ما زال قادرًا على إنارة القلوب، وتجديد العائلات، وإحياء المجتمعات، وصنع السلام حيث يسود الخوف.

فعندما يصغي الإنسان إلى صوت الآب: “له اسمعوا”، يبدأ التجلّي الحقيقي في داخله، ويصبح شاهدًا للنور وسط عالم يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى رجاء الإنجيل.

صلاة في عيد التجلّي

أيها الرب يسوع،
يا من أشرقتَ على جبل طابور بمجد لاهوتك،
أنر عيون قلوبنا لنراك بالإيمان،
وحوّل ضعفنا إلى قوة، وخوفنا إلى رجاء،
واجعل من حياتنا مرآةً تعكس نور محبتك،
حتى نسير خلفك، حاملين صليبنا بفرح،
منتظرين اليوم الذي نتجلّى فيه معك في مجد القيامة.

آمين.

الأكثر قراءة اليوم
    • لا توجد مقالات الأكثر قراءة اليوم