Al Massara

19 August 2026

سيدة لبنان في حريصا… مريم التي رفعت يديها فوق الوطن

A-
A
A+

من تلّةٍ تشرف على البحر إلى مزارٍ صار قلباً للصلاة في لبنان… هنا لا تقف العذراء فوق البلاد كتمثالٍ صامت، بل كأمٍّ تفتح ذراعيها، وتجمع تحت نظرها شعباً جريحاً، وكنيسةً ساهرة، ووطنًا لا يزال يبحث عن طريق الرجاء

فوق حريصا، حيث يلتقي الجبل بالبحر، وحيث تبدو خليج جونية ممتداً تحت السماء، تقف سيدة لبنان.

لا تحتاج إلى أن تقترب منها لكي تراها.

فهي، منذ أكثر من قرن، تطلّ من بعيد.

يراها القادم من الساحل.

يراها العابر على الطرق.

يراها المؤمن حين يرفع عينيه.

ويراها لبنان، في أفراحه وأحزانه، كعلامةٍ بيضاء لا تغيب عن الأفق.

هناك، فوق التلّة، لا تقف مريم لتعلن مجد الحجر.

إنها تقف في صمت الأم.

ذراعاها ممدودتان.

وعيناها نحو الوطن.

وكأنها، منذ اليوم الأول، لم تأتِ لتقول للبنان: «لا تخف من الألم»، بل لتقول له ما هو أعمق:

“لا تحمل ألمك وحدك”.

 

حلمٌ وُلد من قلب الكنيسة

في مطلع القرن العشرين، وفي عهد البطريرك الماروني الياس الحويك، نشأت فكرة إقامة مزار كبير مكرّس للعذراء مريم في لبنان.

كان لبنان يعيش مرحلة تاريخية دقيقة، وكانت الكنيسة تبحث عن علامةٍ روحية تجمع أبناء الوطن حول أمٍّ واحدة.

فكانت مريم.

بدأ المشروع في السنوات الأولى من القرن العشرين، ثم استؤنفت أعماله وتطورت، إلى أن اكتمل المزار ودُشّن عام ١٩٠٨، في الذكرى الخمسين لإعلان عقيدة الحبل بلا دنس.

وهكذا، لم يكن إنشاء المزار مجرد مشروع معماري.

لقد كان فعل إيمان.

فالبطريرك الذي أراد أن يرفع للعذراء بيتاً على جبل لبنان، كان يرفع في الوقت نفسه صلاةً من أجل شعبٍ ووطن.

والذين ساهموا في جمع التبرعات لم يكونوا يبنون نصباً تذكارياً.

كانوا يبنون مكاناً يستطيع الإنسان أن يصعد إليه حاملاً ثقله، ثم ينزل منه بقلبٍ أكثر احتمالاً.

تمثالٌ أبيض يفتح ذراعيه للبنان

في أعلى المزار، تقف تمثال سيدة لبنان المصنوع من البرونز والمطلي باللون الأبيض.

ويبلغ ارتفاعه نحو ٨٫٥ أمتار، بينما يرتفع فوق قاعدة حجرية كبيرة، ليصبح مرئياً من مسافات واسعة.

لكن عظمة التمثال لا تكمن في ارتفاعه فقط.

إنها في حركته.

مريم لا تقف مغلقةً على ذاتها.

ذراعاها مفتوحتان.

وهذا التفصيل البسيط يحمل لاهوتاً كاملاً.

فالأم لا تغلق ذراعيها أمام أبنائها.

لا تسأل أولاً عن ماضيهم.

لا تفتش عن استحقاقهم.

إنها تستقبل.

وفي بلدٍ عاش طويلاً على خطوط الانقسام والخوف، يبدو مشهد الذراعين المفتوحتين أكثر من مجرد حركة فنية.

إنه دعوة.

دعوة إلى المصالحة.

إلى العودة.

إلى أن يتذكر اللبنانيون أن الوطن لا يُبنى بالأيدي المغلقة.

تحت قدميها… البحر والمدينة

من حريصا، ينفتح المشهد على خليج جونية والبحر الأبيض المتوسط، وتمتد العين نحو الساحل والجبال والمدينة.

لكن المؤمن لا يرى في هذا المشهد جمال الطبيعة فقط.

إنه يرى الأمانة.

فالأرض التي تبدو واسعة من فوق، تصبح في القلب أكثر قرباً.

والمدينة التي تبدو صغيرة من علوّ الجبل، تحمل في داخلها ملايين القصص:

بيوتاً.

عائلات.

مرضى.

مهاجرين.

أمهات.

أطفالاً.

وشيوخاً يحملون في صمتهم تاريخاً طويلاً.

ومن هنا، يصبح النظر من حريصا صلاةً من أجل الناس.

فكل مدينةٍ تُرى من فوق، تحتاج إلى من ينظر إليها من قلب الرحمة.

كنيسة صغيرة تحت العذراء

في قاعدة التمثال، توجد كنيسة صغيرة ارتبطت منذ نشأة المزار بالصلاة والعبادة.

وهنا تكمن مفارقة جميلة.

فالعذراء ترتفع فوق الكنيسة.

لكن الكنيسة نفسها، في جوهرها، تقود الإنسان إلى المسيح.

فمريم لا تحتفظ بالإنسان لنفسها.

كل حياتها تشير إلى ابنها.

“مهما قال لكم فافعلوه”.

هذه هي مريم.

أن تقود.

أن تدلّ.

أن تفتح الطريق.

وأن تقول للإنسان، في لحظة الضياع:

لا تتوقف عندي… اذهب إلى المسيح.

مزارٌ لا يخصّ الخوف وحده

في كثير من الأحيان، يصعد الإنسان إلى المزارات عندما يكون متألماً.

وهذا طبيعي.

فالإنسان عندما يعجز عن حمل وجعه، يبحث عن مكانٍ يستطيع فيه أن يبكي.

لكن سيدة لبنان ليست فقط مزار الحزن.

إنها أيضاً مزار الشكر.

هنا تأتي العائلات لتشكر.

ويأتي الأزواج.

ويأتي الأطفال.

ويأتي الذين نجوا من مرض.

والذين عادوا من سفر.

والذين وُلد لهم طفل.

والذين يريدون أن يضعوا بداية جديدة بين يدي الله.

وهكذا، تصبح حريصا كتاباً كبيراً من الصلوات.

كل شخصٍ يضيف سطراً.

وكل شمعةٍ تضيف نقطة نور.

وكل زائرٍ يترك شيئاً من قلبه.

من لبنان إلى العالم

مع مرور الزمن، تجاوز المزار حدود المكان.

فقد أصبح سيدة لبنان أحد أبرز مراكز الحج المريمي في الشرق الأوسط، ومقصداً لمؤمنين وزوار من لبنان ومن بلدان مختلفة.

وتتولى جماعة المرسلين اللبنانيين الموارنة خدمة المزار، الذي يقدم خدمات روحية ورعوية واجتماعية، ويعرّف نفسه كموقع حج دولي مرتبط بالكنيسة المارونية والكرسي الرسولي.

وهنا، لا يعود السؤال: كم شخصاً زار المزار؟

فالأرقام، مهما كبرت، لا تستطيع أن تقيس قيمة الصلاة.

قد يصعد شخصٌ واحد.

لكن صلاته قد تكون من أجل عائلة كاملة.

وقد يدخل مؤمنٌ واحد إلى الكنيسة.

لكن دموعه قد تحمل مدينة بأكملها.

مريم في قلب لبنان

إن مزار سيدة لبنان ليس منفصلاً عن تاريخ لبنان.

لقد شهد القرن العشرون، ثم القرن الحادي والعشرون، حروباً وأزمات وانقسامات وهجرات.

ومع ذلك، بقيت مريم فوق التلة.

رأت أجيالاً تأتي.

وأجيالاً ترحل.

رأت لبنان في أيام عزه.

ورأته في أيام انكساره.

رأت الفرح.

ورأت الدموع.

لكنها بقيت.

وهذا البقاء هو جزء من رسالة المزار.

ففي عالمٍ يتغير بسرعة، يحتاج الإنسان إلى أماكن لا تتغير بسهولة.

أماكن تقول له:

هناك شيءٌ لا يزال ثابتاً.

مريم لا تلغي المسؤولية

قد يصعد الإنسان إلى حريصا، ويطلب حماية العذراء.

لكن الصلاة الحقيقية لا تنتهي عند الطلب.

فالذي يطلب السلام، مدعو إلى أن يصنع السلام.

والذي يطلب الرحمة، مدعو إلى أن يرحم.

والذي يطلب حماية لبنان، مدعو إلى أن يحميه من الكذب والفساد والكراهية واليأس.

لا يكفي أن نقول:

“يا سيدة لبنان، احمي وطننا”.

ثم نعود فنؤذي بعضنا.

لا يكفي أن نطلب الوحدة، ثم نزرع الانقسام.

ولا يكفي أن نرفع الصلاة، إذا بقي القلب مغلقاً.

فمريم التي تفتح ذراعيها فوق حريصا، تدعو أبناءها إلى أن يفتحوا قلوبهم أيضاً.

الباباوات أمام سيدة لبنان

اكتسب المزار مكانة عالمية إضافية من خلال الزيارات البابوية التي شهدها، ومنها زيارة البابا يوحنا بولس الثاني عام ١٩٩٧، وزيارة البابا بندكتوس السادس عشر عام ٢٠١٢، في محطات أكدت موقع لبنان كأرضٍ ذات حضور مسيحي تاريخي وجسرٍ بين الشرق والغرب.

لكن أجمل ما في هذه الزيارات أن الباباوات لم يأتوا إلى لبنان كزوارٍ عابرين.

جاؤوا إلى أرضٍ متعبة.

إلى شعبٍ يحتاج إلى الرجاء.

وإلى كنيسةٍ تعرف أن رسالتها لا تقتصر على حفظ الماضي، بل على حمل النور إلى المستقبل.

حريصا… مدرسة الصعود

في كل مزار، هناك حركة.

الإنسان يصعد.

وهذا الصعود يحمل معنى روحياً.

فلا أحد يصعد إلى حريصا من دون أن يترك خلفه شيئاً من السهل.

التعب.

الضجيج.

السرعة.

ثم يصل.

وهناك، يتوقف.

والتوقف نفسه نعمة.

ففي عالمٍ لا يسمح للإنسان بأن يتوقف، تأتي الكنيسة لتقول:

توقّف قليلاً.

انظر.

تنفّس.

صلِّ.

تذكّر من أنت.

وتذكّر إلى أين تمضي.

بيت عنيا… حين تتحول الضيافة إلى رسالة

لا تقتصر رسالة المزار على الصلاة داخل الكنيسة.

ففي حريصا أيضاً مراكز وخدمات روحية واجتماعية، بينها بيت عنيا الذي يستقبل الرياضات الروحية والمؤتمرات والمناسبات، إلى جانب برامج وخدمات مرتبطة بالمزار.

وهذا يذكّر بأن الإيمان لا يعيش في العزلة.

فالإنسان يحتاج إلى الصلاة، لكنه يحتاج أيضاً إلى الجماعة.

يحتاج إلى الإصغاء.

إلى الحوار.

إلى الراحة.

وإلى مكانٍ يساعده على العودة إلى نفسه وإلى الله.

في روح «المسرة»… حين تصبح مريم ذاكرة الوطن

لو أراد قلمٌ متواضع أن يكتب عن سيدة لبنان، فلن يبدأ بالحديد والبرونز.

سيبدأ بالسؤال:

كم صلاةً صعدت إلى هذه التلة؟

كم أمّاً بكت أمام العذراء؟

كم شاباً طلب نور الطريق؟

كم مريضاً جاء يحمل وجعه؟

كم مهاجرٍ نظر إلى التمثال قبل أن يترك الوطن؟

وكم أمٍّ بقيت تنظر إلى حريصا بعد أن ابتعد ابنها في بلاد الغربة؟

هنا تكمن قداسة المكان.

لا في حجمه.

ولا في ارتفاعه.

ولا في شهرة زواره.

بل في القلوب التي مرّت به.

فالأماكن المقدسة لا تُبنى بالحجارة وحدها.

إنها تُبنى بالصلوات.

والصلاة لا تُرى.

لكنها، في حياة المؤمن، تترك أثراً لا يمحوه الزمن.

العذراء التي لا تزال تنتظر

قد يكون أجمل ما في سيدة لبنان أنها لا تبدو كأنها تملك شيئاً لنفسها.

كل شيء فيها مفتوح.

ذراعاها.

المكان.

الأفق.

والطريق.

كأنها تقول لكل من يصعد:

تعال.

لا لأنك كامل.

بل لأنك متعب.

لا لأنك لا تخطئ.

بل لأنك تحتاج إلى الرحمة.

لا لأنك لا تخاف.

بل لأنك تحتاج إلى من يذكّرك بأن الخوف ليس سيدك.

وهكذا، تصبح حريصا مكاناً للعودة.

والعودة هي جوهر الإيمان.

 فوق لبنان… أمٌّ تصلّي

منذ عام ١٩٠٨، ما زالت سيدة لبنان فوق حريصا.

تغيّرت الأجيال.

تغيّرت الطرق.

تغيّرت المدن.

وتغيّر العالم.

لكن ذراعي مريم بقيتا مفتوحتين.

وفي كل مرة ينظر فيها الإنسان إليها، يمكنه أن يقرأ رسالةً بسيطة:

لا تيأس.

فالسماء لا تزال فوقك.

والرحمة لم تنتهِ.

والطريق، مهما طال، يمكن أن يبدأ من جديد.

ومن فوق التلة، حيث يلتقي الجبل بالبحر، تبقى سيدة لبنان شاهدةً على تاريخ شعبٍ أحبّ مريم، ورفع إليها صلاته، ووضع عند قدميها أفراحه وأوجاعه.

لكنها، في النهاية، لا تطلب من لبنان أن يكتفي بالنظر إليها.

إنها تدعوه إلى أن يتحرك.

أن يغفر.

أن يخدم.

أن يحمي الضعيف.

أن يصنع السلام.

وأن يحفظ في قلبه الرجاء.

فالأم التي تفتح ذراعيها فوق الوطن، لا تريد أبناءً يكتفون بالوقوف تحتها.

تريدهم أن يحملوا محبتها إلى العالم.

وهكذا تبقى سيدة لبنان في حريصا:
أمّاً فوق الجبل،
وصلاةً فوق البحر،
ونوراً في ذاكرة الوطن،
ورجاءً لا ينحني.

الأكثر قراءة اليوم
    • لا توجد مقالات الأكثر قراءة اليوم