في خريف عام ١٩٥٤، لم يكن العدد العاشر من “مجلة المسرّة” مجرّد إصدار ثقافي عابر، ولا ملفّاً دينياً تقليدياً يمرّ في أرشيف الصحافة الشرقية ثم يذوب في غبار السنين.
كان حدثاً يشبه القرع العظيم لأجراس العالم المسيحي كلّه.
من حريصا… من تلك التلال اللبنانية التي تعانق الغيم وترفع عينيها نحو تمثال سيدة لبنان، خرج عدد استثنائي حمل عنوانًا يكاد يبدو صلاةً أكثر منه عنواناً صحافياً:
“مريم الله”.
٢٢٣ صفحة كاملة، من الصفحة ٥٦١ حتى ٧٨٤، تحوّلت إلى رحلة مهيبة في أسرار العذراء، كأنّ “المسرّة” أرادت أن تجمع في مجلد واحد كلّ ما قالته الإنسانية عن المرأة التي عبرت من الأرض إلى الأبدية.
وكان الزمن نفسه مهيّأً لهذا الحدث.
فالعالم الكاثوليكي كان يعيش على وقع إعلان البابا بيوس الثاني عشر سنة ١٩٥٤ “سنة مريمية عالمية”، احتفالاً بمرور مئة عام على إعلان عقيدة الحبل بلا دنس.
حينها، بدا وكأن الكنائس الشرقية والغربية دخلت معًا في موسم نورٍ استثنائي، حيث اختلط اللاهوت بالفن، والصلوات بالشعر، والدموع بالأيقونات.
وسط ذلك المدّ الروحي، جاءت “المسرّة” اللبنانية لتقدّم واحداً من أعظم الأعداد الخاصة في تاريخ الصحافة الدينية العربية.
لم يكن العدد وعظاً تقليدياً.
كان موسوعة كاملة عن مريم.
هنا، تدخل العذراء صفحات المجلة كملكةٍ سماوية تحيط بها القرون، وترافقها أصوات الآباء والنسّاك والشعراء والرسامين.
تارةً تظهر في ثوب اللاهوت، كأمّ الإله وحاملة سرّ التجسد.
وتارةً تتجلّى في الليتورجيا الشرقية، داخل الأنافير البيزنطية والترانيم السريانية وصلوات المواسم التي حملت اسمها عبر ألفي عام.
ثم فجأة، ينفتح التاريخ كأبواب كنيسة قديمة، لتسير القوافل نحو المزارات المريمية، من الشرق إلى حريصا، حيث كانت سيدة لبنان تستقبل الحجاج والشموع والصلوات القادمة من وطنٍ كان لا يزال يؤمن بأن السماء قريبة.
لكن السحر الحقيقي لهذا العدد لم يكن في النصوص وحدها.
بل في الصور.
في اللوحات التي جعلت الصفحات تبدو كأنها معرض عالمي للفن المقدّس.
أيقونات بيزنطية مذهّبة تحدّق بعيني القداسة القديمة.
روائع عصر النهضة حيث رسم رافائيل العذراء كأنها فجرٌ بشريّ هبط من السماء.
ظلال ميكيلانجيلو الثقيلة التي منحت الألم هيبةً خالدة.
ولوحات شرقية امتزج فيها البخور بالألوان، حتى بدا أن الورق نفسه يصلّي.
كانت المطبعة البولسية في حريصا تدرك أنها لا تطبع مجلّة فحسب…
بل تبني كاتدرائية ورقية.
ولهذا، لم يتحوّل العدد إلى مادة أرشيفية جامدة، بل بقي شاهداً على زمنٍ كامل من النهضة الفكرية المسيحية في الشرق.
زمنٍ كانت فيه المجلات الثقافية تحمل مشروع حضارة، وكانت الصفحات تُكتب بإيمان يشبه النذر.
اليوم، وبعد أكثر من سبعين عاماً، لا يزال هذا العدد يُعتبر من أثمن الكنوز التوثيقية التي أصدرتها “المسرّة”، لأنّه لم يكتفِ بالكلام عن مريم…
بل صنع حولها عالماً كاملاً من الضوء واللاهوت والفن والجمال.
وكأنّ حريصا، في تلك السنة البعيدة، قرّرت أن تُهدي الشرق كتاباً لا يُقرأ فقط…
بل يُرتَّل.
-
-
أبحاث تاريخية وفكريةفي رحاب الذاكرة الأنطاكية
13 July 2026 -
أبحاث تاريخية وفكريةفي رحاب الذاكرة الأنطاكية
13 July 2026 -
أبحاث تاريخية وفكريةفي رحاب الذاكرة الأنطاكية
13 July 2026 -
أبحاث تاريخية وفكريةفي رحاب الذاكرة الأنطاكية
13 July 2026 -
أبحاث تاريخية وفكريةفي رحاب الذاكرة الأنطاكية
13 July 2026 -
أبحاث تاريخية وفكريةفي رحاب الذاكرة الأنطاكية
13 July 2026 -
أبحاث تاريخية وفكريةفي رحاب الذاكرة الأنطاكية
13 July 2026 -
أبحاث تاريخية وفكريةفي رحاب الذاكرة الأنطاكية
13 July 2026
-
-
- لا توجد مقالات الأكثر قراءة اليوم

