Al Massara

25 August 2026

شربل… الناسك الذي أضاء الشرق

A-
A
A+

العدد الاستثنائي من “مجلة المسرّة” عام ١٩٧٧ يوثّق سيرة قدّيس صنع من الصمت رسالة ومن الصلاة معجزة

في تاريخ الكنيسة المارونية، تبرز أسماء كثيرة تركت بصماتها في صفحات الإيمان، لكن قلّة منها استطاعت أن تعبر حدود الزمن والجغرافيا كما فعل القدّيس شربل مخلوف. فقد خرج الراهب المتواضع من وادي قنوبين وأعالي جبال لبنان ليصبح شعلة روحية تضيء العالم، وعلامة قداسة يتوافد إليها المؤمنون من مختلف الأمم واللغات.

ومن هنا تأتي الأهمية الاستثنائية للعدد الخاص الذي خصّصته “مجلة المسرّة” للقدّيس شربل عام ١٩٧٧، في سنتها الثالثة والستين، ضمن الأعداد ٦٢١-٦٣٠، في دراسة مركّزة امتدّت على الصفحات من ١ إلى ٤٣، لتقدّم للقارئ صورة متكاملة عن الرجل الذي تحوّل إلى أحد أشهر قديسي الشرق في العصر الحديث.

لم يكن هذا العدد مجرد سيرة ذاتية أو عرض تاريخي لأحداث حياة راهب ناسك. بل جاء أشبه برحلة روحية إلى أعماق القداسة نفسها، حيث تتلاقى الصلاة بالصمت، والتجرّد بالمحبة، والإنسان بالله.

في صفحاته، يعود القارئ إلى بلدة بقاعكفرا الشمالية، حيث أبصر يوسف مخلوف النور عام ١٨٢٨، قبل أن يختار طريق الرهبنة ويترك وراءه العالم بكل مغرياته. هناك، في دير مار مارون عنايا، بدأت مسيرة رجل كرّس حياته بالكامل لله، حتى صار اسمه مرادفاً للتقشّف والطاعة والتأمل.

وتكشف الدراسة كيف عاش شربل سنواته الطويلة في الخفاء، بعيداً عن الأضواء والشهرة. لم يسعَ إلى المجد البشري، ولم يطلب أن تُكتب عنه الكتب أو تُرفع له التماثيل. كان همه الوحيد أن يذوب في حضرة الله كما تذوب الشمعة أمام المذبح.

لكن القداسة التي حاولت الاختباء خلف جدران المحبسة خرجت إلى العالم بعد وفاته.

ففي ليلة الميلاد من عام ١٨٩٨، أسلم شربل الروح بعد حياة من الصلاة المتواصلة. وما إن وُوري الثرى حتى بدأت الأحداث التي حيّرت العقول وألهبت إيمان الناس. أضواء غامضة فوق قبره، وجسد بقي محفوظاً بصورة غير مألوفة، وشفاءات نُسبت إلى شفاعته، وحشود أخذت تتدفق إلى عنايا من لبنان وسائر بلدان الشرق.

ويُبرز العدد كيف تحوّل هذا الناسك الصامت إلى ظاهرة روحية عالمية. فكل معجزة جديدة كانت تضيف صفحة إلى سجلّ قداسته، وكل حاجّ كان يعود من عنايا حاملاً قصة إيمان جديدة، حتى أصبح اسم شربل معروفاً في القارات الخمس، وأضحت صورته معلّقة في الكنائس والبيوت والمستشفيات حول العالم.

كما يسلّط العدد الضوء على البعد اللاهوتي والروحي لشخصية القديس، مظهراً أن سرّ جاذبيته لا يكمن في المعجزات وحدها، بل في عمق حياته الإنجيلية. لقد كان شاهداً حيّاً على أن الإنسان يستطيع، وسط صخب العالم، أن يجد الطريق إلى الله عبر الصمت والصلاة والتواضع.

واليوم، وبعد عقود طويلة على صدور هذا العدد الخاص، يبقى وثيقة ثمينة من وثائق التراث المسيحي اللبناني، وشهادة على المكانة الفريدة التي احتلها القديس شربل في وجدان المؤمنين. فهو ليس مجرد شخصية تاريخية أو قديس من الماضي، بل حضور روحي متجدد، يذكّر العالم بأن القداسة لا تُصنع بالقوة ولا بالسلطة، بل بقلبٍ اختار أن يكون كله لله.

وهكذا، يبقى شربل مخلوف ذلك النور المتقد في أعالي لبنان، ناسكاً عاش في الصمت، لكنه ما زال حتى اليوم يتحدث إلى الملايين بلغة الإيمان والرجاء والمحبة.

الأكثر قراءة اليوم
    • لا توجد مقالات الأكثر قراءة اليوم