المجامع المارونية في عهد البطريرك الياس بطرس الحويّك
كنيسة تعبر من زمن الإمبراطورية إلى زمن الوطن
مع بلوغنا ختام السلسلة الأولى من هذه القراءة التوثيقية للمجامع المارونية كما حفظتها صفحات مجلة المسرة، نصل إلى نهاية مرحلة مفصلية في تاريخ الكنيسة المارونية، ارتبطت باسم البطريرك الكاردينال الياس بطرس الحويّك، أحد أبرز البطاركة الذين طبعوا تاريخ الكنيسة ولبنان معًا ببصمة استثنائية.
لقد شكّلت المجامع المنعقدة في عهده أكثر من مجرد اجتماعات كنسية دورية؛ كانت مرايا حيّة لعصر كامل عاش فيه الموارنة، ومعهم لبنان والمشرق، تحولات عميقة انتقلت من أواخر العهد العثماني إلى الحرب العالمية الأولى، ومن المجاعة والانهيار إلى ولادة الكيان اللبناني الحديث.
في قراءة هذه المجامع، يتضح أن الروح المجمعية المارونية لم تكن يومًا منفصلة عن الواقع التاريخي المحيط بها. فالمجمع، في التجربة المارونية، لم يكن إطارًا نظريًا لصياغة القوانين فحسب، بل مساحة تمييز كنسي حي، حيث تلتقي قراءة الواقع مع نور الإنجيل، وتتحول الأسئلة التاريخية إلى دعوة متجددة للمسؤولية.
من الإصلاح الداخلي إلى مواجهة التاريخ
عكست المجامع الأولى في عهد الحويّك كنيسةً منشغلة بتعزيز بنيتها الداخلية: تنظيم الأبرشيات، تطوير الإدارة الكنسية، دعم التعليم، وتحسين الحياة الرعوية. لكن مع مرور الزمن، بدأت المجامع تكشف تدريجيًا انتقال الكنيسة من مرحلة التنظيم المؤسسي إلى مواجهة تحديات تاريخية وجودية.
فلم يمض وقت طويل حتى دخل المشرق إحدى أكثر مراحله قسوة.
جاءت الحرب العالمية الأولى لا كحدث سياسي بعيد، بل كزلزال غيّر البنية الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية للمنطقة بأسرها. ومع المجاعة الكبرى التي ضربت جبل لبنان، وجدت الكنيسة نفسها أمام اختبار لم تعرف له مثيلًا منذ عقود طويلة.
في تلك اللحظات، لم تعد المجامع تبحث فقط في شؤون الإدارة والتنظيم، بل أصبحت وثائق صمود روحي وإنساني.
لقد تحولت الكنيسة إلى ملجأ.
ملجأ للجائع، ولليتيم، وللعائلة المهددة بالانهيار، وللمؤمن الباحث عن معنى وسط الموت والخوف.
وهنا تتجلى إحدى أعظم سمات المرحلة الحويّكية: الانتقال من كنيسة تنظّم ذاتها إلى كنيسة تبذل ذاتها.
البطريرك الحويّك… الراعي وباني الوطن
يصعب فصل المجامع المارونية في هذه المرحلة عن شخصية البطريرك الحويّك نفسه. فقد قاد الكنيسة في واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخها الحديث، جامعًا بين الحكمة الرعوية والرؤية الوطنية.
لم يكن الحويّك مجرد بطريرك يدير شؤون الكنيسة، بل كان أيضًا صوتًا تاريخيًا في صياغة مستقبل لبنان. وقد بلغ هذا الدور ذروته مع مشاركته في الدفاع عن قيام لبنان الكبير سنة 1920، حين تحولت البطريركية المارونية إلى شريك أساسي في رسم معالم الدولة الناشئة.
لكن أهمية الحويّك لا تختصر في البعد السياسي.
ففي العمق، تكشف المجامع المنعقدة في عهده عن راعٍ فهم أن قوة الكنيسة لا تقوم فقط على نفوذها أو حضورها العام، بل على قدرتها على حماية الإنسان، وصيانة الإيمان، وخدمة المجتمع في أزمنة الانكسار.
التعليم والهوية والانتشار
أظهرت هذه المجامع أيضًا ثبات ثلاثة محاور كبرى رافقت الكنيسة طوال عهد الحويّك:
أولًا: التربية
حافظ التعليم على موقعه كركيزة أساسية في المشروع الكنسي الماروني. فالمدارس لم تكن مجرد مؤسسات أكاديمية، بل فضاءات لصناعة الهوية الثقافية والروحية.
ثانيًا: التنظيم الكنسي
رغم الحروب والانهيارات، واصلت الكنيسة تطوير مؤسساتها الداخلية، إدراكًا منها أن الرسالة القوية تحتاج إلى بنية ثابتة.
ثالثًا: الانتشار
بدأ العالم الماروني يتجاوز حدود جبل لبنان بصورة أوضح. ومع ازدياد الهجرة، بدأت تتشكل رؤية جديدة تعتبر الاغتراب امتدادًا طبيعيًا للكنيسة الأم ورسالتها.
وهذه المحاور الثلاثة ستبقى لاحقًا من الثوابت الأساسية في المجامع التالية.
نهاية عهد… وبداية مرحلة جديدة
إن ختام المجامع الموثقة ضمن عهد الحويّك لا يمثل نهاية مسار بقدر ما يمثل انتقالًا إلى فصل جديد.
فمع انتهاء هذه المرحلة، كانت الكنيسة المارونية قد خرجت من اختبار تاريخي بالغ القسوة، لكنها خرجت أيضًا أكثر نضجًا، وأكثر وعيًا برسالتها، وأكثر ارتباطًا بمصير وطنٍ جديد يولد وسط التحولات.
لقد عبرت الكنيسة من زمن السلطنة إلى زمن الدولة.
ومن زمن البقاء إلى زمن البناء.
ومن الدفاع عن الوجود إلى المشاركة في صناعة المستقبل.
وهذا الانتقال هو ما يمنح هذه السلسلة الأولى قيمتها التاريخية الفريدة.
نحو السلسلة الثانية
مع هذا الختام، نطوي الصفحة الأولى من رحلتنا في المجامع المارونية كما وثقتها مجلة المسرة، لنفتح صفحة جديدة مع عهد البطريرك أنطون بطرس عريضة.
في هذه المرحلة الجديدة، ستواجه الكنيسة أسئلة مختلفة: أسئلة الدولة الحديثة، والنمو المؤسساتي، والتحولات الاجتماعية المتسارعة، وتوسع الانتشار الماروني عالميًا.
لكن الروح المجمعية ستبقى هي نفسها.
روح الإصغاء.
روح التمييز.
روح السير معًا.
لأن المجمع، في جوهره، ليس حدثًا من الماضي.
إنه فعل كنيسة حيّة لا تتوقف عن قراءة الأزمنة في ضوء الإيمان.
وفي المقال المقبل، نبدأ السلسلة الثانية مع أول المجامع المنعقدة في عهد البطريرك أنطون عريضة، لنواصل معًا هذه الرحلة في ذاكرة الكنيسة المارونية ومسيرتها عبر الزمن.
-
-
أعياد وتقاليدالتجلّي… عندما أشرق مجد المسيح على جبل طابور
7 August 2026 -
الصفحة الرئيسيةصلوات شهر تموز مع القديس بولس الرسول
31 July 2026 -
الصفحة الرئيسيةصلوات شهر تموز مع القديس بولس الرسول
30 July 2026 -
الصفحة الرئيسيةدرب الحويّك… حجٌّ في ذاكرة الكنيسة والوطن
29 July 2026 -
الصفحة الرئيسيةصلوات شهر تموز مع القديس بولس الرسول
29 July 2026 -
آخر الأخبارمن ديمان إلى جربتا… ذخائر الطوباوي البطريرك إلياس الحويّك تواصل مسيرة النعمة وتجمع قداسة رفقا بأب الوطن
29 July 2026 -
الصفحة الرئيسيةصلوات شهر تموز مع القديس بولس الرسول
28 July 2026 -
الصفحة الرئيسيةصلوات شهر تموز مع القديس بولس الرسول
27 July 2026
-
-
- لا توجد مقالات الأكثر قراءة اليوم

