Al Massara

19 August 2026

درب الحويّك… حجٌّ في ذاكرة الكنيسة والوطن

A-
A
A+

من بكركي إلى مرفأ البوار، ومن الديمان إلى وادي قنّوبين… رحلة تكشف سيرة الطوباوي البطريرك إلياس الحويّك ورسالة القداسة في خدمة الإنسان ولبنان

في تاريخ الكنيسة المارونية رجالٌ لم يتركوا آثارهم في الكتب فحسب، بل نقشوا سيرتهم في الجبال والوديان، وفي قلوب المؤمنين، وفي ذاكرة وطنٍ ولد من رحم الألم والرجاء. ومن بين هؤلاء يسطع اسم الطوباوي البطريرك إلياس بطرس الحويّك، الذي لم يكن مجرد بطريرك جلس على كرسي أنطاكية، بل أبًا حمل هموم شعبه، ورسول سلام، وباني وطن، وشاهدًا حيًا على أن القداسة تُترجم خدمةً وعطاءً وتضحية.

ويأتي الفيلم الوثائقي درب الحويّك في بكركي – مرفأ البوار – الديمان – قنّوبين ليحوّل سيرة الطوباوي إلى رحلة حج روحي وتاريخي، يرافق المشاهد في الأمكنة التي صنعت رسالته، ويكشف كيف تحولت الجغرافيا اللبنانية إلى صفحات حية من الإنجيل المعاش، حيث امتزجت الصلاة بالمسؤولية الوطنية، والإيمان بالدفاع عن الإنسان وكرامته. ويستعرض الوثائقي أبرز محطات حياته، انطلاقًا من مواقع خدمته التاريخية، مسلطًا الضوء على دوره الكنسي والإنساني والوطني في تاريخ الكنيسة المارونية ولبنان.

بكركي… حيث بدأت الرسالة

كانت بكركي المحطة الأولى في مسيرة الشاب إلياس الحويّك، حين وصل إليها سنة ١٨٧٢ وهو في السابعة والعشرين من عمره، ليخدم أمينًا لسر البطريركية، قبل أن يصبح أحد أبرز رجالاتها.

هناك، لم يكن يتعلّم الإدارة الكنسية فحسب، بل كان يتشرّب روح الكنيسة التي ترى في السلطة خدمة، وفي المسؤولية أمانة، وفي الحقيقة طريقًا لا يقبل المساومة.

ويُبرز الوثائقي كيف عرف الحويّك منذ بداياته بشجاعته في الدفاع عن العدالة، وسعيه إلى معالجة الخلافات الكنسية بروح الإنجيل والحكمة، وهي صفات سترافقه طوال حياته البطريركية.

راعٍ يبني الإنسان قبل الحجر

لم تكن رؤية الحويّك محصورة في إدارة الكنيسة، بل اتسعت لتشمل الإنسان بكل أبعاده.

فعمل على تطوير المؤسسات التربوية، وآمن بأن نهضة المجتمع تبدأ من المدرسة والعائلة، ولذلك دعم تأسيس جمعية راهبات العائلة المقدسة المارونيات لتكون رسالة تربوية وإنجيلية في خدمة الأجيال.

كما ارتبط اسمه بإقامة مزار سيدة لبنان في حريصا، الذي أصبح لاحقًا أحد أهم المزارات المريمية في الشرق والعالم، وعلامة رجاء لجميع المؤمنين. ويُظهر الوثائقي هذه المبادرات بوصفها امتدادًا لرؤية راعٍ أراد أن تكون الكنيسة حاضرة في حياة الناس، بالصلاة والتربية والخدمة.

مرفأ البوار… ميناء الرجاء زمن المجاعة

من أكثر محطات الوثائقي تأثيرًا تلك التي تقود المشاهد إلى مرفأ البوار.

فهذا المكان الهادئ اليوم، كان خلال الحرب العالمية الأولى شاهدًا على واحدة من أعظم المبادرات الإنسانية في تاريخ الكنيسة اللبنانية.

وسط المجاعة والحصار البحري، تحولت البطريركية المارونية بقيادة الحويّك إلى بيت مفتوح للفقراء والجائعين، بينما كان المرفأ يستقبل، في ظروف بالغة الصعوبة، مساعدات غذائية وصلت سرًا لإنقاذ آلاف العائلات.

ويروي الوثائقي كيف نسّق البطريرك شبكة واسعة من الكهنة والرهبان والعلمانيين لتوزيع المؤن على المحتاجين، في عمل إنساني جسّد المحبة الإنجيلية في أصعب الظروف.

بطريرك المجاعة… وأب الرحمة

لم يكن الطوباوي ينظر إلى الجوع كأزمة اقتصادية، بل كجرح في جسد المسيح.

فتح أبواب البطريركية، ووزع ما تملكه الكنيسة، وجعل من الخدمة اليومية صلاة عملية، حتى أصبح اسمه مرتبطًا في ذاكرة اللبنانيين بالأب الذي لم يترك أبناءه وحدهم في زمن الموت.

إنها صورة الراعي الصالح الذي يضع نفسه في سبيل خرافه، ويحوّل الإيمان إلى خبز ورجاء وكرامة.

صانع لبنان الكبير

يأخذ الوثائقي بعدًا وطنيًا عميقًا عندما يستعرض الدور التاريخي للحويّك في ولادة دولة لبنان الكبير.

فبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، حمل قضية لبنان إلى المحافل الدولية، ودافع أمام مؤتمر الصلح عن حق اللبنانيين في وطن حر يتمتع بحدوده الطبيعية وسيادته.

لقد أدرك أن رسالة الكنيسة لا تنفصل عن كرامة الإنسان، وأن الدفاع عن الوطن هو دفاع عن رسالة العيش المشترك والحرية.

ولهذا بقي اسمه مرتبطًا بولادة لبنان الحديث، حتى لُقب بحق أبي لبنان الكبير.

الديمان… صلاة الراعي بين الجبال

يصعد الوثائقي إلى الديمان، المقر الصيفي للبطريركية، حيث اعتاد الحويّك أن يمضي أشهر الصيف بين شعبه.

في تلك الجبال الهادئة، كان الراعي يجد فسحة للصلاة والتأمل، ويواصل إدارة شؤون الكنيسة والوطن.

ولا تبدو الديمان في الوثائقي مجرد مكان جغرافي، بل مساحة روحية تختزن ذاكرة البطاركة وصلواتهم، وتشهد على علاقة الكنيسة العميقة بالأرض اللبنانية.

وادي قنّوبين… ذاكرة الكنيسة الحية

وتبلغ الرحلة ذروتها في وادي قنّوبين، الوادي المقدس الذي احتضن البطاركة الموارنة قرونًا طويلة.

هناك، بين الصخور والأديار والمغاور، يستعيد الوثائقي جذور الكنيسة المارونية، ويؤكد أن الحويّك لم يكن امتدادًا إداريًا لمن سبقوه فحسب، بل وريثًا لتراث روحي عريق، حمله بأمانة إلى العصر الحديث.

إن قنّوبين ليست مجرد محطة تاريخية، بل مدرسة للصلاة والثبات، ومنها استمدت الكنيسة قوتها في مواجهة المحن عبر القرون.

القداسة طريق خدمة

لا يقدّم الوثائقي الحويّك بطلاً سياسيًا أو شخصية تاريخية فحسب، بل يقدمه إنسانًا عاش الإنجيل بكل تفاصيله.

فالقداسة، كما تكشف سيرته، ليست معجزة منفصلة عن الواقع، بل مسيرة يومية من الأمانة، تبدأ بخدمة صغيرة، وتنتهي بعطاء لا حدود له.

ولهذا، فإن درب الحويّك ليس مجرد طريق يربط بكركي بالبوار والديمان وقنّوبين، بل هو طريق داخلي يدعو كل مؤمن إلى السير في درب المحبة، والرجاء، والتضحية، والثقة بالعناية الإلهية.

رسالة تتجدد بعد التطويب

بعد إعلان تطويب البطريرك إلياس الحويّك في ٢٥ تموز ٢٠٢٦، يكتسب هذا الوثائقي بعدًا روحيًا جديدًا، إذ يتحول إلى دعوة متجددة لاكتشاف إرث رجلٍ جمع بين الصلاة والعمل، وبين القداسة وبناء الوطن.

فكل محطة من محطات درب الحويّك تشهد بأن القديسين لا يتركون آثارًا على الطرقات فحسب، بل يتركون دروبًا تهدي الأجيال إلى المسيح، وتذكّر بأن الكنيسة، مهما اشتدت عليها التجارب، تبقى شاهدة للرجاء، وأن لبنان، الذي أحبه الحويّك حتى آخر نسمة من حياته، سيظل رسالة حرية وإيمان ما دام أبناؤه يسيرون على درب القداسة والخدمة.

الأكثر قراءة اليوم
    • لا توجد مقالات الأكثر قراءة اليوم