Al Massara

25 August 2026

“المسرّة… “أرشيف المشرق الحيّ وذاكرة مسيحيّي الشرق عبر قرن من الفكر والحوار

A-
A
A+

ليست مجلّة “المسرّة” مجرّد مجلّة دينيّة صدرت في بدايات القرن العشرين، بل تُعدّ اليوم واحدًا من أهمّ المراجع التوثيقيّة والتاريخيّة والفكريّة لفهم تطوّر الحياة الدينيّة والاجتماعيّة والثقافيّة في بلاد الشام ومجتمعات مسيحيّي الشرق. فعلى امتداد أكثر من قرن، تحوّلت صفحاتها إلى أرشيف حيّ يوثّق التحوّلات الكبرى التي عاشتها الكنائس الشرقيّة، والعلاقات الإسلاميّة – المسيحيّة، والسجالات الفكريّة واللاهوتيّة التي رافقت المنطقة خلال القرن العشرين.

وقد اكتسبت “المسرّة” مكانتها ليس بوصفها مجلّة أكاديميّة محكّمة بالمعنى الجامعي الحديث، بل باعتبارها منبرًا توثيقيًا رصينًا جمع بين البحث التاريخي، والتحليل اللاهوتي، والرصد الاجتماعي، ونشر الوثائق الكنسيّة الرسميّة. ولهذا السبب، يعتمد عليها الباحثون والمؤرّخون اليوم كمصدر أساسي لدراسة تاريخ الكنيسة الملكيّة الكاثوليكيّة، والحياة الثقافيّة العربيّة المسيحيّة، ومسار الحوار الديني في الشرق.

ومن أبرز ما يميّز المجلة أنّها لم تكتفِ بالموضوعات الوعظيّة التقليديّة، بل انفتحت على قضايا فكريّة وفلسفيّة معاصرة، ودخلت في نقاشات مقارنة الأديان توثيق السجالات اللاهوتية والفكرية (مثال: البوذية والمسيحية) والتيارات الروحيّة العالمية. ففي العدد ٥٨٦ الصادر في حزيران/يونيو۱٩٧٣، صفحة ٥٤٣، قدّمت المجلة دراسات نقديّة معمّقة حول كتاب “بلوهر وبوذآساف”، وتتبّعت الروابط التاريخيّة بين الروايات المسيحيّة الوسيطة، مثل قصّة “برلام ويوشافاط”، وبين التقاليد البوذيّة والإسلاميّة، في خطوة تكشف انفتاح المجلة المبكر على الدراسات المقارنة والحوار الحضاري (مثال: الحوار الإسلامي – المسيحي).

كما شكّلت “المسرّة” منصّة لعدد من كبار المؤرّخين واللاهوتيّين في الشرق العربي، الذين نشروا على صفحاتها أبحاثًا أصبحت لاحقًا مراجع أساسيّة في تاريخ الكنائس الشرقيّة. ومن بين أبرز هؤلاء الأكسرخوس جوزيف نصر الله، الذي قدّم عبر أعداد متتالية، ولا سيّما من تموز سنة ۱٩٦٢ الى كانون الأول ۱٩٧٦، دراسات واسعة حول تاريخ الكنيسة والحضارة العربيّة والتفاعل المسيحي المشترك في المشرق. كذلك احتضنت المجلة مقالات الخوري قسطنطين الباشا المخلصي، أحد أبرز منقّبي المخطوطات في القرن العشرين، والذي نشر فيها وثائق تاريخيّة نادرة إلى جانب مساهماته في مجلّتي “المشرق” و”الضياء”.

وفي البعد الكنسي، أدّت “المسرّة” دور السجلّ الرسمي غير المباشر للبطريركيّة لـ روم الكاثوليك (الملكيين)، إذ حفظت على صفحاتها المراسيم البطريركيّة، والرسائل الرعائيّة، ومقالات المطارنة والآباء البولسيّين، إضافة إلى توثيقها للنقاشات الليتورجيّة والاجتماعيّة التي شهدتها حريصا ولبنان وسوريا خلال العقود الأولى من القرن العشرين. ولذلك، أصبحت المجلة اليوم مادّة لا غنى عنها للباحثين في تاريخ الكنيسة الملكيّة الكاثوليكيّة، وفي دراسة التحوّلات الفكريّة والاجتماعيّة للمسيحيّين العرب.

إنّ قيمة “المسرّة” الحقيقية تكمن في كونها مرآة لذاكرة المشرق المسيحي والعربي معًا؛ فهي لم تكتفِ بنقل الأحداث، بل ساهمت في صياغة الوعي الثقافي والديني والحواري في المنطقة، واحتفظت داخل أرشيفها بمسار قرن كامل من الفكر، والإيمان، والتحوّلات التاريخيّة التي صنعت وجه بلاد الشام الحديثة.

الأكثر قراءة اليوم
    • لا توجد مقالات الأكثر قراءة اليوم