Al Massara

25 August 2026

“المسرّة”… المجلة التي حملت الإيمان بالقلم وخاضت معارك الفكر والحوار في قلب الشرق

A-
A
A+

في مطلع القرن العشرين، حين كانت المنطقة العربية تعيش صراعًا بين الحداثة والتقليد، وبين الانفتاح الفكري والتيارات التي هددت الهويّة الدينية والثقافية، انطلقت من جبال لبنان مجلة صغيرة بالحجم… لكنها كانت عملاقة بالأثر.

اسمها “المسرّة”.

لم تكن مجرد مجلة دينية عابرة، بل مشروعًا فكريًا ورسالة نضال ثقافي حملها رجال آمنوا بأن الكلمة قد تكون أقوى من العواصف، وأن الحبر يستطيع أن يبني جسورًا حيث تعجز السياسة والحروب.

البداية… حلم تحوّل إلى معركة فكر

عام ۱٩۰٤، كشف المطران جرمانس معقّد، مؤسس جمعية المرسلين البولسيين، عن حلمه بإطلاق مجلة تحمل رسالة الكنيسة إلى الناس، وتواجه موجات الإلحاد والانقسامات الفكرية التي بدأت تضرب المجتمعات الشرقية.

طلب من الرهبان إعداد المقالات، لكن الظروف كانت أقسى من الأحلام؛ فعدد المرسلين كان قليلًا، وأعباء الرسالة كانت ثقيلة. غير أنّ الحلم لم يمت.

وفي عام ۱٩۰٩، خلال انعقاد المجمع الملّي في عين تراز، عاد المشروع إلى الحياة. وافق المجمع رسميًا على تأسيس المجلة، وأسند إدارتها إلى الجمعية البولسية بإشراف المطران معقّد، لتبدأ رحلة واحدة من أقدم وأهم المجلات الدينية العربية في المشرق.

لكن الطريق لم يكن سهلًا.

ففي تلك الفترة، حاول عدد من المثقفين العلمانيين إنشاء مجلة رسمية خاصة بالروم الكاثوليك، واشتروا جريدة “الأحوال” ومطبعتها، وسعوا لجمع الأساقفة حول مشروعهم. ومع تصاعد المنافسة، أدرك المطران معقّد أن اللحظة الحاسمة قد وصلت.

فتحرك سريعًا، وطلب من البطريرك كيرلّس الثامن إصدار الإعلام الرسمي للمجلة، واختار لها اسمًا سيبقى خالدًا في ذاكرة الصحافة العربية:

“المسرّة”.

اسمٌ مستوحى من الهتاف الملائكي:
“المجد لله في العلى، وعلى الأرض السلام، وفي الناس المسرّة”.

ومنذ تلك اللحظة، لم يعد الاسم مجرد عنوان… بل أصبح رسالة وهوية ومعركة فكرية كاملة.

۱٩۱۰ ولادة منبر عربي استثنائي

في الأول من نيسان عام ۱٩۱۰، صدر الإعلام البطريركي الرسمي بإطلاق المجلة تحت رعاية بطريركية الروم الكاثوليك وإدارة الآباء البولسيين.

ولكي تصل “المسرّة” إلى الجميع، جرى تحديد اشتراك رمزي بسيط، حتى يتمكن الفقراء قبل الأغنياء من اقتنائها. لم تكن المجلة مشروعًا للنخبة فقط، بل منبرًا موجّهًا لكل بيت عربي يبحث عن المعرفة والإيمان والثقافة.

ومنذ عددها الأول، أعلنت “المسرّة” معركتها بوضوح:

  • الدفاع عن الإيمان،
  • مواجهة التيارات المعادية للدين،
  • نشر الفكر والأدب والتاريخ،
  • وبناء الوعي الروحي والثقافي لدى الناس.

لكنها لم تعتمد لغة متعالية أو خطابًا جامدًا، بل اختارت العربية الفصيحة السلسة، القريبة من الناس، لتدخل البيوت والعقول والقلوب معًا.

مجلّة صنعت جسورًا بين الكنائس والأديان

لم تكتفِ “المسرّة” بالدفاع عن العقيدة، بل تحولت إلى منبر للوحدة والحوار.

فمنذ سنواتها الأولى، خاضت معارك فكرية من أجل التقارب بين الكنائس الشرقية والغربية، وناقشت قضايا الوحدة المسيحية واللاهوت والتاريخ الكنسي بشجاعة وانفتاح.

ثم جاءت الستينيات… وهنا دخلت المجلة مرحلة بطولية جديدة.

في زمن الانقسامات السياسية والدينية، رفعت “المسرّة” راية الحوار الإسلامي–المسيحي، لتصبح المجلة الوحيدة تقريبًا في الشرق العربي التي تعالج هذا الملف بروح علمية وأخوية بعيدة عن التعصب.

وهنا لمع اسم الرجل الذي سيصبح روح المجلة وقلبها الفكري:
الأب يوسف درّة الحدّاد.

يوسف درّة الحدّاد… الفارس الذي حاور الشرق بالكلمة

كان الأب يوسف درّة الحدّاد أكثر من مجرد كاتب في «المسرّة». كان مفكرًا وباحثًا ومحاربًا بالقلم.

كرّس حياته لدراسة القرآن والعلاقات الإسلامية–المسيحية، وكتب عشرات المقالات والأبحاث التي أحدثت صدى واسعًا في العالم العربي.

وعندما كان القرّاء يفتحون صفحات “المسرّة”، كانوا يشعرون أنهم أمام مشروع فكري غير مسبوق، يكتب عن الإسلام والمسيحية بلغة الاحترام والمعرفة العميقة، لا بلغة الصراع.

حتى الأديب المصري الكبير عباس محمود العقاد وقف مذهولًا أمام مستوى المجلة، وقال إن من يقرأ أبحاثها “يشعر أنه أمام عمالقة في الأدب الإسلامي”.

أما شيخ الأزهر محمد شلتوت، فأشاد بالمجلة لأنها “تهدف إلى البنيان والأخوّة الصادقة بين المسلمين والمسيحيين”.

لم تكن تلك مجرد شهادات عابرة… بل اعترافًا بأن “المسرّة” نجحت في ما عجز عنه كثيرون: تحويل الحوار إلى جسر محبة حقيقي.

أعداد صنعت التاريخ

وعلى امتداد عقود، أصدرت “المسرّة” ملفات خاصة تحولت إلى مراجع فكرية ودينية بارزة، منها:

  • عدد “مريم أمّ الله” سنة ۱٩٥٤،
  • ملف المجمع الفاتيكاني الثاني،
  • ملف القديس شربل،
  • وملف الرسل بطرس وبولس.

كما ترجمت وثائق المجمع الفاتيكاني الثاني عن اللاتينية والفرنسية، في خطوة اعتُبرت آنذاك إنجازًا فكريًا ضخمًا جعل المجلة في طليعة الصحافة الدينية العربية.

أكثر من مجلّة… ذاكرة حيّة للمشرق

على مدى أكثر من قرن، لم تكن “المسرّة” مجرد صفحات مطبوعة، بل شاهدًا حيًا على تحولات الكنيسة والمجتمع والفكر العربي.

وثّقت حياة البطاركة والأساقفة، ونقلت أخبار المؤمنين، وفتحت أبوابها للأدب والفكر والعلم والتربية، حتى أصبحت أرشيفًا كاملًا لذاكرة المشرق الروحية والثقافية.

وفي زمنٍ تغيّرت فيه الصحف والمجلات وتبدّلت المنابر، بقي اسم “المسرّة” حاضرًا كواحد من أعرق المشاريع الفكرية والدينية العربية… مجلة واجهت الانقسامات بالكلمة، وخاضت معارك الحوار بالإيمان، وتركت بصمة لا تزال حيّة في تاريخ الصحافة العربية حتى اليوم.

الأكثر قراءة اليوم
    • لا توجد مقالات الأكثر قراءة اليوم