Al Massara

18 August 2026

في رحاب الذاكرة الأنطاكية

A-
A
A+

نحو الأناضول

عبورٌ من المشرق المألوف إلى الشرق البيزنطي

 

باسم الآب والابن والروح القدس، الإله الواحد، آمين.

بعد أن انحنت القلوب بخشوع أمام القبر الفارغ، وبعد أن ارتفعت الصلوات في القدس حيث التقت آلام الصليب بمجد القيامة، لم يكن أمام البطريرك مكاريوس الثالث الزعيم الأنطاكي ومرافقيه إلا أن يتابعوا المسير.

فالرحلة، وإن منحت المسافر محطات نعمة وتعزية، لا تسمح له بالمكوث طويلًا.

الطريق يدعو دائمًا إلى الأمام.

وهكذا، بعد عبور بلاد الشام والأماكن المقدسة، بدأ فصل جديد من السفرة؛ فصل ينقل القافلة من المشرق المألوف، بلغاته وعاداته وكنائسه القريبة من الروح الأنطاكية، إلى عالم آخر أكثر اتساعًا وغرابة:  الأناضول.

كان هذا العبور أكثر من انتقال جغرافي.

لقد كان عبورًا حضاريًا وروحيًا أيضًا.

فالأناضول لم تكن مجرد مساحة واسعة من الجبال والسهول والمدن. كانت أرضًا تحمل ذاكرة الإمبراطوريّة البيزنطيّة، ومهدًا لكثير من المجامع الكنسيّة، ومسرحًا لصراعات لاهوتيّة وسياسيّة رسمت تاريخ المسيحيّة الشرقيّة لقرون.

هناك، على تلك الأرض، دارت نقاشات العقيدة.

هناك، ارتفعت أصوات الآباء.

هناك، كُتبت صفحات من تاريخ الكنيسة الجامعة.

ومن هنا، فإن عبور البطريرك لهذه المناطق لم يكن مجرد مرور عابر في بلاد أجنبية، بل كان، بصورة غير مباشرة، مرورًا عبر طبقات عميقة من الذاكرة الكنسية.

في الطريق نحو الأناضول، بدأت المسافات تصبح أكثر قسوة.

الطرق الوعرة ازدادت طولًا.

المناخ صار أكثر تقلّبًا.

الجبال فرضت صمتها وهيبتها.

وفي السفر الطويل، يختبر الإنسان حقيقة بسيطة وعميقة في آنٍ واحد: أن الجسد محدود، أما الرجاء فيستطيع أن يتجاوز حدود الجسد.

كم من مرة اضطرّت القافلة إلى التوقف بسبب الإرهاق؟

كم من مرة فرض الطقس تغيير المسار؟

كم من ليلة نام المسافرون على تعب اليوم، غير عالمين بما ينتظرهم مع شروق اليوم التالي؟

في مثل هذه الرحلات، لا يعود التخطيط البشري وحده كافيًا.

يصبح الاتكال على الله ضرورة لا خيارًا.

وهذا ما تمنحنا إياه «السفرة» كدرس روحي عابر للأزمنة.

فالإنسان كثيرًا ما يتوهم أنه يسيطر على الطريق، لكن الطريق نفسه يعلّمه التواضع. كل منعطف قد يبدّل الحسابات، وكل عائق قد يكشف هشاشة الإنسان أمام اتساع العالم.

وربما لهذا السبب تحديدًا، تتحول الرحلة إلى مدرسة للنفس.

في الأناضول، بدأ البطريرك يلتقي وجوهًا كنسية جديدة، وأساليب عبادة تحمل القرب والاختلاف معًا. فالكنائس الشرقية، رغم اشتراكها في جذور إيمانية عميقة، كانت قد طوّرت عبر القرون ملامح محلية خاصة في الليتورجيا والعمران الكنسي والحياة الرعوية.

وهنا يظهر جمال المسيحية الشرقية.

الوحدة لم تعنِ التطابق.

بل شركة في الإيمان مع تنوع في التعبير.

وهذا ما جعل اللقاءات الكنسية في الطريق تحمل قيمة عظيمة.

فكل لقاء لم يكن مجرد مجاملة بروتوكولية، بل اختبارًا حيًا لمعنى الشركة بين الكنائس.

أن يرى ابن أنطاكية كيف يصلّي ابن بيزنطية.

أن يسمع ترتيلًا بلغة لا يعرفها، لكنه يدرك روحها.

أن يكتشف أن الإيمان يستطيع أن يوحّد القلوب حتى عندما تختلف الألسنة.

كم هو عجيب هذا السر.

فالمؤمن قد يشعر بالغربة في اللغة، لكنه لا يشعر بالغربة أمام الصلاة.

لأن الروح القدس يعرف كيف يبني وحدة أعمق من الكلمات.

والشماس بولس بن مكاريوس، كعادته، لم يكتفِ بتسجيل المدن والأسماء، بل نقل للقارئ شيئًا من دهشة اللقاء مع هذا العالم البيزنطي الواسع. ويمكن للقارئ أن يشعر بين السطور بأن الرحلة بدأت تكشف اتساع العالم المسيحي أكثر فأكثر.

لقد كانت أنطاكية عظيمة في ذاكرته.

لكن العالم صار أعظم أمام عينيه.

وهذه إحدى نعم السفر.

فهو لا يضيف إلى الإنسان معرفة بالأماكن فقط، بل يوسّع إدراكه لعمل الله في شعوب متعددة.

وفي الأناضول، بدا واضحًا أن القافلة لم تعد في محيطها المألوف.

اللغة تختلف.

العادات تختلف.

الوجوه تختلف.

لكن المسيح يبقى هو هو.

وهنا يكمن الثبات وسط التغير.

فكلما تبدّل العالم الخارجي، ازداد وضوح ما هو ثابت في الداخل.

وهكذا، بين الجبال والطرق والمدن البيزنطية، كانت الرحلة تمضي نحو ما هو أبعد.

وكانت الأناضول، بكل عظمتها التاريخية، مجرد مقدمة لفصل جديد أكثر اتساعًا، حيث ستدخل القافلة أراضي لم تكن مألوفة لأبناء أنطاكية، وتلتقي بشعوب وكنائس ستكشف وجهًا آخر من وجوه المسيحيّة الشرقيّة.

وفي المقالة المقبلة، سنرافق البطريرك مكاريوس إلى بلاد الأفلاق والبغدان، حيث تبدأ مرحلة جديدة من اللقاء مع العالم الأرثوذكسي السلافي والروماني، ومعها تتسع آفاق السفرة أكثر فأكثر.

وللحديث تتمة…

الأكثر قراءة اليوم
    • لا توجد مقالات الأكثر قراءة اليوم