Al Massara

19 August 2026

إيقونة الطوباوي الياس الحويّك: حين تتحوّل سيرة الراعي إلى صلاةٍ مرسومة

A-
A
A+

من السماء إلى لبنان… قراءة روحية في رموز إيقونة البطريرك الذي صار أبًا للكنيسة والوطن والجائعين

 

في الخامس والعشرين من تموز ٢٠٢٦، وفي قلب الديمان، حيث تتعانق ذاكرة قنوبين مع صدى الصلاة المارونية، تكشف الكنيسة عن إيقونة البطريرك الياس بطرس الحويّك، في اليوم الذي يُعلن فيه طوباويًا.

وليس كشف الإيقونة تفصيلًا فنيًا عابرًا.

فالإيقونة، في التقليد المسيحي، لا تريد أن تكون صورةً فوتوغرافيةً لشخصٍ رحل، ولا لوحةً تروي سيرة رجلٍ من الماضي فحسب. إنها، قبل كل شيء، نافذةٌ روحية. وفيها لا يُرسم الإنسان كما كان في عيون الناس فقط، بل كما يُقرأ في ضوء النعمة، وفي مسيرة دعوته، وفي الثمار التي تركها خلفه.

وقد أعلنت جمعية راهبات العائلة المقدسة المارونيات، التي أسسها البطريرك الحويّك، أن الإيقونة الرسمية ستُكشف خلال القداس الاحتفالي في الديمان في ٢٥ تموز ٢٠٢٦، بعد نشر الصورة الرسمية المعتمدة له، مع التشديد على ضرورة تجنّب الصور والعبارات غير الدقيقة التي تنتجها تقنيات الذكاء الاصطناعي.

وهكذا، تأتي الإيقونة الجديدة لا لتضيف وجهًا آخر إلى وجوه البطريرك الحويّك، بل لتجمع في وجهٍ واحدٍ مسيرة رجلٍ عاش للكلمة، وللكنيسة، وللفقير، وللبنان.

الهالة الذهبية… مجدٌ ليس من الأرض

في أعلى الإيقونة، تحيط الهالة الذهبية برأس الطوباوي.

لكن الذهب هنا ليس زينةً دنيوية.

إنه علامة النور.

فالقداسة، في الإيمان المسيحي، ليست مجدًا يصنعه الناس لإنسانٍ بعد موته، بل ثمرة نعمةٍ عاشها الإنسان في حياته، واعتراف الكنيسة بأن هذه الحياة حملت شهادةً استثنائية للإنجيل.

ومن هنا، فإن الهالة لا تقول إن الياس الحويّك كان عظيمًا لأنه كان بطريركًا.

بل تقول إن عظمة البطريرك كانت في الطريقة التي حمل بها البطريركية.

لم يحملها عرشًا.

حملها صليبًا.

ولم يرَ العصا امتيازًا.

رآها أمانة.

ولم يرَ الشعب جمهورًا.

رآه قطيعًا وأبناء.

لقد أُعلن البطريرك الياس الحويّك طوباويًا بعد اعتراف الكنيسة بالمعجزة المنسوبة إلى شفاعته، وهي شفاء الضابط في الجيش اللبناني نايف أبو عاصي، وهو من الطائفة الدرزية، في حادثة تعود إلى عام ١٩٦٥. وقد أذن البابا لاون الرابع عشر بإصدار المرسوم المتعلق بالمعجزة في ٢٢ أيار ٢٠٢٦.

وفي هذا كله، يبدو أن الهالة الذهبية لا تحيط بالرأس فقط.

إنها تلخّص مسيرة حياةٍ أراد صاحبها أن يعيش ويموت في رضى الله.

اليد الخارجة من السماء… الراعي ليس صاحب الرسالة

في أعلى اليسار، تظهر اليد الخارجة من السماء.

إنها يد الآب.

وهي، في قراءة الإيقونة، تذكّر بأن الدعوة لا تبدأ من الإنسان وحده.

فالراعي الحقيقي لا يختار نفسه.

والخدمة الكنسية ليست مشروعًا شخصيًا.

والبطريرك، مهما اتسعت مكانته، يبقى إنسانًا مدعوًا ومُرسَلًا.

لقد جاء الياس الحويّك من حلتا، من بيتٍ لبناني صغير، ودخل الإكليريكية في السادسة عشرة من عمره، ثم تابع دراسته اللاهوتية في روما وسيم كاهنًا عام ١٨٧٠. وبعد سنوات من الخدمة، انتُخب بطريركًا على أنطاكية وسائر المشرق للموارنة عام ١٨٩٩.

لكن الإيقونة، بوضع يد الآب في السماء، تقول إن كل هذه المسيرة لم تكن مجدًا شخصيًا.

كانت جوابًا على نداء.

وكانت أمانةً أمام الذي قال للراعي:

اذهب… وارعَ.

الحمامة… الروح الذي يقود الراعي

وفي أعلى اليمين، تحضر الحمامة.

رمز الروح القدس.

وهنا يصبح المشهد أكثر عمقًا.

فالحويّك لم يكن رجلًا عاش في زمنٍ هادئ.

كان بطريركًا في زمن سقوط إمبراطوريات، وحرب عالمية، ومجاعة، وانهيار اقتصادي، وإعادة رسم للحدود، وولادة لبنان الكبير.

وفي زمنٍ كهذا، لا يكفي أن يكون الإنسان ذكيًا.

ولا يكفي أن يكون شجاعًا.

إنه يحتاج إلى روحٍ يرشده.

إلى نورٍ يميّز به بين السلطة والخدمة.

بين الوطن والطائفة.

بين القوة والحق.

وبين الحفاظ على الذات والانفتاح على الآخر.

ولهذا، فإن الحمامة في الإيقونة تذكّر بأن البطريرك الحويّك لم يكن رجل سياسةٍ فحسب، ولا رجل تاريخٍ فحسب.

كان راعيًا.

وكل راعٍ يحتاج إلى الروح الذي يقوده.

“الكتاب المفتوح… “أنت ابني الحبيب، عنك رضيت

في قلب الإيقونة، يفتح الكتاب كلمته.

وعليه الصلاة:

“أنت ابني الحبيب، عنك رضيت”.

إنها ليست عبارةً مكتوبة على ورق.

إنها مفتاح حياة.

فالإنسان الذي يريد أن يخدم الله، يبدأ أولًا من الإصغاء.

والبطريرك الذي يريد أن يقود شعبًا، عليه أن يتعلم قبل كل شيء كيف يسمع.

يسمع كلمة الله.

ويسمع صرخة الفقير.

ويسمع أنين الوطن.

ويسمع صمت الجائع.

لقد كان الحويّك رجل صلاة، لكن صلاته لم تبعده عن الأرض.

بل أعادته إليها.

فحين جاعت البلاد خلال الحرب العالمية الأولى، لم تكتفِ البطريركية بالكلام عن الرحمة، بل ارتبط اسم الحويّك بجهود الإغاثة وتأمين الطعام للفقراء، وبالعبارة التي بقيت من أكثر كلماته دلالةً على قلبه الرعوي:

“أعطوا الجميع”.

وفي السيرة التي حفظتها الذاكرة عنه، كان المعنى واضحًا: البطريركية أمّ، وأولادها جميع الناس، بلا تمييز بين مسيحي ومسلم.

وهنا يصبح الكتاب المفتوح مرآةً لحياةٍ كاملة:

أن تكون محبوبًا من الآب، يعني أن تتعلم كيف تحب أبناءه.

العكازة البطريركية… سلطةٌ تنحني أمام القطيع

في يد الطوباوي، تظهر العكازة البطريركية.

لكنها ليست عصا حاكم.

إنها عصا الراعي.

والراعي لا يرفع عصاه ليخيف القطيع.

بل يحملها ليحرسه.

في التقليد المسيحي، السلطة الرعوية ليست امتيازًا فوق الناس.

إنها مسؤولية بينهم.

ولهذا، فإن العكازة في إيقونة الحويّك تقول إن البطريرك لم يكن مدعوًا إلى الجلوس فوق شعبه، بل إلى السير أمامه، وحمايته، وحمل ضعفه.

كان عليه أن يحمل الكنيسة في زمنٍ مضطرب.

وأن يحمل الجائع في زمن المجاعة.

وأن يحمل قضية لبنان إلى العالم.

ففي مؤتمر الصلح في باريس، ظهر الحويّك بوصفه حامل قضية لبنان، مطالبًا بكيانٍ بحدود موسّعة، في مرحلة كانت فيها خريطة المنطقة تُعاد صياغتها بعد الحرب العالمية الأولى. وقد بقي اسمه مرتبطًا تاريخيًا بمسار قيام لبنان الكبير، مع أن ولادة الكيان كانت نتيجة عوامل دولية وإقليمية ومحلية معقدة، لا فعل شخص واحد.

وهكذا، حمل العكازة.

لكنّه حمل معها وطنًا.

الثياب البيضاء… نقاوة الخدمة

الثياب البيضاء في الإيقونة ليست مجرد لون.

إنها إعلان.

إعلان عن حياةٍ أرادت أن تكون شفافة أمام الله.

فالبياض يذكّر بالنقاوة، وبالأمانة، وبالحياة التي لا تنقسم بين ما تقوله أمام المذبح وما تفعله في الطريق.

وقد وصفته الكنيسة ومؤسساتها بأنه كاهن أمين، وراعٍ غيور، وقائد كرّس حياته لخدمة الله والكنيسة والوطن والإنسان، من دون تمييز بين الطوائف والأديان.

إنها صورة الراعي الذي لا يعيش لنفسه.

وكلما ارتفع في الكنيسة، ازداد تواضعًا أمام الإنسان.

الكنيسة والراهبات الثلاث… القداسة التي تصير مؤسسة

في أسفل اليمين، تظهر الكنيسة، وإلى جانبها الراهبات الثلاث.

إنها واحدة من أكثر الرموز التصاقًا برسالة الحويّك.

فالبطريرك لم يكتفِ بأن يكرز بالتربية.

بل أسس لها بيتًا.

ولم يكتفِ بالكلام عن العائلة.

بل جعل العائلة محور رسالة.

ففي ١٥ آب ١٨٩٥، تعاون مع الأم روزالي نصر والأخت إسطفاني كردوش على تأسيس جمعية راهبات العائلة المقدسة المارونيات، التي ارتبطت رسالتها بالتربية والتعليم وخدمة العائلات. وتصف المصادر الكنسية الجمعية بأنها أول مؤسسة نسائية رسولية مارونية من هذا النوع، وأنها كانت من أبرز ثمار رؤية الحويّك التربوية والكنسية.

لذلك، فإن الكنيسة في الإيقونة ليست بناءً حجريًا فقط.

إنها الكنيسة التي تُبنى في الطفل.

في المدرسة.

في العائلة.

في الراهبة التي تخدم.

وفي الإنسان الذي يتعلم أن الإيمان ليس كلامًا يُقال، بل حياة تُعاش.

أما الراهبات الثلاث، فيمكن أن تُقرأ كصورةٍ للرسالة التي لم تنتهِ برحيل المؤسس.

فالمؤسس يموت.

أما الرسالة، فتستمر.

الأرز والجبل… لبنان الذي حمله الحويّك في قلبه

لا يمكن رسم الياس الحويّك من دون لبنان.

فالأرز والجبل في الإيقونة ليسا خلفيةً جغرافية.

إنهما ذاكرة.

إنهما الأرض التي خرج منها.

والشعب الذي خدمه.

والوطن الذي حمل قضيته.

لقد ارتبط اسم الحويّك بقوة بتاريخ لبنان الكبير، لا بوصفه مشروعًا لطائفةٍ تريد الانعزال، بل بوصفه رؤيةً لكيانٍ يحتضن أبناءه المتنوعين.

ولهذا بقيت العبارة المنسوبة إليه أمام جورج كليمنصو حاضرة في الذاكرة الوطنية:

“أنا بطريرك الموارنة، طائفتي لبنان، وأنا لكل اللبنانيين”.

وفي هذه الجملة تختصر الإيقونة قلب رجلٍ لم يرَ لبنان ملكًا لطائفة.

بل أمانةً لجميع أبنائه.

فالأرز لا يرمز فقط إلى لبنان الذي دافع عنه.

بل إلى لبنان الذي أراده:

لبنانًا يتسع للجميع.

البحر… الرجاء وسط الأمواج

في أسفل اليسار، يظهر البحر.

والبحر في الإيقونة ليس مجرد منظر.

إنه الحركة.

والاتساع.

والأمواج.

إنه العالم الذي لا يمكن للكنيسة أن تنغلق عنه.

فالكنيسة المارونية، وهي كنيسة شرقية متجذرة في لبنان، حملت تاريخها إلى العالم عبر الهجرة والانتشار والرسالة.

وهنا يصبح البحر صورةً للمحن أيضًا.

فالإنسان المؤمن لا يعيش في مياهٍ ساكنة دائمًا.

هناك العواصف.

والحروب.

والفقر.

والخوف.

لكن خلف كل موجةٍ يبقى الرجاء.

وربما لهذا يبدو البحر في إيقونة الحويّك قريبًا من حياته:

فقد عاش في زمنٍ عاصف.

لكنه لم يسمح للعاصفة أن تقتلع الرجاء.

الذهب… ليس ثروةً بل نور النعمة

تتوزع الألوان الذهبية في الإيقونة.

والذهب، في الفن المسيحي، يرتبط بالنور، وبحضور الملكوت، وبالإشراق الذي لا يأتي من العالم.

إنه ليس لون القصور.

بل لون المجد الذي لا يُشترى.

وهنا تلتقي الإيقونة مع حياة رجلٍ لم يكن الذهب مركزها.

فالحويّك ارتبط في الذاكرة ببساطة العيش وبخدمة الفقراء، فيما كان دوره التاريخي يجمع بين قيادة الكنيسة، والعمل الاجتماعي، والدفاع عن قضية لبنان.

لقد وصفته مؤسسات كنسية بأنه «رجل العناية الإلهية» و«البطريرك القديس» كما شهد له معاصروه، فيما أكدت جمعية راهبات العائلة المقدسة أن حياته امتدت في خدمة الله والكنيسة والوطن والإنسان بلا تمييز.

فالذهب الحقيقي في حياة البطريرك لم يكن في ما يملكه.

بل في ما أعطاه.

الوقفة المستقيمة… راعٍ لا ينحني إلا لله

يقف الطوباوي في الإيقونة أمامنا.

ثابتًا.

مستقيمًا.

حاضرًا.

وهذه الوقفة تحمل معنى روحيًا عميقًا.

إنها وقفة رجلٍ لم يكن مترددًا في الحق.

لكنها ليست وقفة كبرياء.

فالراعي يمكن أن يقف ثابتًا أمام الظلم، ثم ينحني في اللحظة نفسها أمام طفلٍ جائع.

يمكنه أن يحمل قضية وطنٍ إلى عواصم العالم، ثم يعود ليصغي إلى أرملة.

يمكنه أن يتحدث مع أصحاب السلطة، ثم يفتح باب الكنيسة للفقراء.

وهنا ربما تكمن إحدى أجمل قراءات شخصية الحويّك:

الثبات في الحق، والتواضع أمام الإنسان.

إيقونة لا ترسم رجلًا من الماضي… بل تفتح طريقًا للحاضر

حين ننظر إلى إيقونة الطوباوي الياس الحويّك، لا نرى بطريركًا تاريخيًا فقط.

نرى الآب.

ونرى الروح القدس.

ونرى المسيح في الكلمة.

ونرى الكنيسة في الخدمة.

ونرى لبنان في الأرز والجبل.

ونرى الفقير في قلب الرسالة.

ونرى البحر، بكل أمواجه، يحمل رجاءً لا يغرق.

ولهذا، فإن الإيقونة تبدو كأنها صلاةٌ صامتة.

تقول لنا:

إن الراعي لا يُقاس بطول سنوات خدمته.

بل بعدد القلوب التي حملها.

وإن الوطن لا يُبنى بالخطب وحدها.

بل بالمسؤولية.

وإن الكنيسة لا تكون عظيمةً بالذهب.

بل عندما تفتح أبوابها للجائع.

وإن القداسة ليست هروبًا من التاريخ.

بل دخولًا إلى قلبه، والوقوف إلى جانب الإنسان فيه.

لقد وُلد الياس الحويّك في حلتا.

وخدم على مذبح المسيح.

وتسلّم كرسي أنطاكية وسائر المشرق للموارنة.

وأسس رسالةً تربويةً للكنيسة والعائلة.

وحمل الجائعين في زمن المجاعة.

وحمل لبنان إلى العالم.

ثم عاد إلى الديمان، حيث تتنفس ذاكرة الموارنة، ليُرفع اليوم إلى مقام الطوباوي.

وتأتي إيقونته لتجمع كل هذه المسيرة في صورة واحدة:

راعيًا تحت يد الآب،
مستنيرًا بالروح،
ثابتًا في كلمة المسيح،
حاملًا عصا الخدمة،
نقيّ القلب،
محيطًا بالكنيسة،
واقفًا على أرض لبنان،
ومفتوحًا على بحر الرجاء.

ولعل أجمل صلاةٍ يمكن أن تُقال أمام إيقونته ليست طلبًا للمعجزات فقط.

بل طلبٌ لأن نتعلم من حياته.

أن نعيش في رضى الله.

أن نخدم دون تمييز.

أن نرى الجائع قبل أن نسأل عن اسمه.

أن نحب لبنان لا بالشعارات، بل بالأمانة.

وأن نفهم، كما فهم الحويّك، أن من يريد أن يصعد إلى السماء، لا يستطيع أن يتجاوز الإنسان.

يا طوباوي الياس الحويّك،
يا راعي الكنيسة والوطن،
يا أب الجائعين،
يا مؤسس الرسالة التي لا تزال تُثمر،
صلِّ لأجل لبنان.

صلِّ لأجل الكنيسة.

صلِّ لأجل العائلات.

صلِّ لأجل الفقراء.

وعلّمنا أن نعيش ونموت،
كما صليت أنت:

“إلهي، اجعلني أعيش وأموت برضاك”.

الأكثر قراءة اليوم
    • لا توجد مقالات الأكثر قراءة اليوم