“في يوم تطويبه: “أنا بطريرك الموارنة، طائفتي لبنان، وأنا لكل اللبنانيين
البطريرك الياس الحويّك… أب لبنان الكبير، راعي الجائعين، مؤسس راهبات العائلة المقدسة، وشاهدٌ على أن القداسة قد تمشي في طرق التاريخ
في الخامس والعشرين من تموز ٢٠٢٦، تتجه أنظار لبنان والكنيسة المارونية إلى الديمان.
هناك، في الكرسي البطريركي الذي أحبّه البطريرك الياس الحويّك وبناه وجعله امتدادًا صيفيًا لذاكرة قنوبين، تُرفع صلاةٌ جديدة في تاريخ الكنيسة المارونية، ويُعلن رجلٌ عاش بين المذبح والوطن، بين الفقر والرجاء، بين الصليب ووجع الناس، طوباويًا.
إنه البطريرك الياس بطرس الحويّك.
الرجل الذي لم يكتفِ بأن يكون بطريركًا للموارنة، بل حمل في قلبه لبنان كله.
والرجل الذي لم يكتفِ بأن يعلن الإيمان من على المنبر، بل نزل به إلى الطرقات، وإلى البيوت، وإلى مخازن القمح، وإلى أبواب الفقراء.
والرجل الذي لم يرَ في البطريركية عرشًا، بل أمانة.
ولم يرَ في السلطة مجدًا، بل مسؤولية.
ولم يرَ في الوطن غنيمةً لطائفة، بل بيتًا لجميع أبنائه.
وهكذا، بعد قرابة قرنٍ على رحيله، وبعد مسيرة طويلة من التمييز الكنسي والصلاة والتحقيق، يلتقي التاريخ بالسماء في الديمان.
ويعود صوت الحويّك، كأنه لم يغب:
“أنا بطريرك الموارنة، طائفتي لبنان، وأنا لكل اللبنانيين”.
من حلتا… حيث وُلدت البذرة
في الرابع من كانون الأول ١٨٤٣، وُلد الياس بطرس الحويّك في بلدة حلتا، في قضاء البترون.
ولم تكن تلك البلدة الصغيرة تعلم أن ابنها سيصبح يومًا أحد أعظم بطاركة الكنيسة المارونية، وأن اسمه سيرتبط بمرحلةٍ من أخطر مراحل تاريخ لبنان والمشرق.
دخل الإكليريكية وهو في السادسة عشرة من عمره.
وفي ذلك العمر المبكر، كان قلبه قد بدأ يتجه إلى الطريق الذي سيقوده من القرية إلى المذبح، ومن المذبح إلى البطريركية، ومن البطريركية إلى صفحات التاريخ.
ثم ذهب إلى روما، حيث تابع دراسته اللاهوتية، وسيم كاهنًا سنة ۱٨٧٠.
عاد إلى لبنان لا كمن أنهى دراسته، بل كمن عاد يحمل رسالة.
كان يعرف أن الكنيسة لا تحتاج فقط إلى كهنةٍ يعلّمون الناس الصلاة.
كانت تحتاج أيضًا إلى رجالٍ يعلّمونها كيف تعيش الإيمان.
وفي القرى والمدن التي جال فيها كاهنًا ثم أسقفًا، رأى ما كان يؤلم قلبه:
الفقر.
الجهل.
حرمان الفتيات من التعليم.
ضعف المؤسسات.
وتعب العائلات.
ومن هنا بدأت تتكوّن في داخله فكرةٌ ستصبح بعد سنوات واحدة من أهم مؤسسات الكنيسة المارونية.
من أجل الفتاة… تأسيس جمعية راهبات العائلة المقدسة
كان الحويّك يرى في العائلة قلب المجتمع.
وكان يرى في الأم مدرسةً قبل أن تكون ربة بيت.
ولذلك، عندما رأى الفقر والجهل، ولا سيما في المناطق النائية، أدرك أن إصلاح المجتمع لا يمكن أن يتم من دون التعليم.
ومن هنا، تعاون مع الأم روزالي نصر والأخت إسطفاني كردوش على تأسيس جمعية راهبات العائلة المقدسة المارونيات في ١٥ آب ١٨٩٥.
لم يكن المشروع مجرد تأسيس رهبنة جديدة.
كان مشروعًا لبناء الإنسان.
فقد أراد الحويّك أن تتوجه الجمعية إلى التربية والتعليم، وأن تساعد العائلات، وأن تجعل من العائلة المقدسة نموذجًا للعائلة اللبنانية.
وفي رسالته إلى الأم روزالي، ربط اسم الجمعية برسالتها، لتكون العائلة المقدسة مثالًا للعائلات المسيحية، ومصدرًا لتربية الأجيال وحماية المجتمع.
ومن بيتٍ صغير في جبيل، ثم من دير عبرين، بدأت مسيرةٌ ستتوسع لاحقًا في لبنان، وتفتح المدارس، وتخدم الأطفال والعائلات، وتحمل رسالة المؤسس إلى أجيال متعاقبة.
لقد فهم الحويّك، منذ ذلك الزمن، أن من يريد أن يبني وطنًا لا يبدأ دائمًا من القصور.
أحيانًا يبدأ من مدرسة.
وأحيانًا من طفلةٍ تتعلم القراءة.
وأحيانًا من أمٍّ تجد من يسندها.
سنة ١٨٩٩… من الأسقفية إلى كرسي أنطاكية
في السادس من كانون الثاني ١٨٩٩، انتُخب الياس الحويّك بطريركًا على أنطاكية وسائر المشرق للموارنة، وتولى السدة البطريركية في التاسع من كانون الثاني من العام نفسه.
كان في السادسة والخمسين من عمره.
ومنذ ذلك اليوم، بدأت واحدة من أطول وأصعب وأغنى المراحل في تاريخ الكنيسة المارونية الحديثة.
ثلاثون عامًا تقريبًا.
ثلاثة عقودٍ من التحولات الكبرى.
الإمبراطورية العثمانية تقترب من نهايتها.
الحرب العالمية الأولى تقترب.
لبنان يدخل واحدة من أحلك مجاعاته.
الإمبراطوريات تنهار.
الحدود تتغير.
والشعوب تبحث عن مستقبلها.
وفي قلب هذا كله، كان البطريرك الحويّك يقود الكنيسة.
لكن قيادة الكنيسة، في تلك المرحلة، لم تكن تعني إدارة شؤون الأبرشيات فقط.
كانت تعني أحيانًا أن تكون أبًا لشعبٍ جائع.
وأحيانًا أن تكون صوتًا لشعبٍ بلا دولة.
وأحيانًا أن تحمل قضية وطنٍ كامل إلى عواصم العالم.
“أعطوا الجميع”… البطريرك الذي فتح أبواب الكنيسة للجائعين
ثم جاءت الحرب.
وجاء معها الجوع.
وكانت سنوات الحرب العالمية الأولى من أقسى ما عرفه لبنان في تاريخه الحديث.
الحصار.
انقطاع طرق التجارة.
مصادرة المحاصيل.
الأمراض.
الفقر.
وتحوّل الجوع إلى وحشٍ يطرق أبواب القرى والبيوت.
في تلك الأيام، لم يقف الحويّك بعيدًا.
لم يقل إن الكنيسة لا تستطيع.
بل جعل من بكركي مركزًا للإغاثة.
وبحسب المصادر التاريخية والكنسية، أنشأ شبكةً من المطارنة والكهنة والرهبان والراهبات لتوزيع القمح، وسعى إلى تأمين مرور المؤن، وطلب توزيع الخبز على الجائعين، وباع ما أمكن من مقتنيات البطريركية لتأمين الطعام.
وكانت كلمته التي بقيت في الذاكرة:
“أعطوا الجميع. البطريركية أمٌّ حنون تعتبر الجميع أولادها. لا فرق بين مسيحي ومسلم”.
هذه ليست عبارةً اجتماعية فقط.
إنها لاهوتٌ كامل.
فالبطريرك الذي يرى الجائع أولًا، لا يسأل عن طائفته قبل أن يطعمه.
والكنيسة التي ترى المسيح في المتألم، لا تضع على باب مخبزتها بطاقةً طائفية.
وهكذا، في زمنٍ كان فيه لبنان يموت من الجوع، تحولت البطريركية إلى أم.
أمٍّ تفتح أبوابها.
أمٍّ تبيع ما تملك.
أمٍّ تعطي أبناءها.
وكان الحويّك يعرف أن الكنيسة لا تستطيع أن تتحدث عن خبز الحياة، بينما يموت الناس من الجوع أمام أبوابها.
حين صار البطريرك يحمل وطنًا
بعد الحرب العالمية الأولى، لم يعد السؤال فقط: كيف ينجو لبنان؟
بل أصبح:
أي لبنان سيولد؟
وهل سيبقى جبل لبنان كيانًا محدودًا؟
أم سيستعيد الأراضي التي ارتبطت به تاريخيًا واقتصاديًا واجتماعيًا؟
في كانون الثاني ١٩١٩، انعقد مؤتمر الصلح في باريس.
وكان العالم يعيد رسم خريطته بعد سقوط الإمبراطوريات.
وفي ذلك المؤتمر، ظهر الياس الحويّك لا بصفته رجل دينٍ فحسب، بل بصفته حامل قضية لبنان.
ترأس الوفد اللبناني الذي طالب باستقلال لبنان وتوسيع حدوده، ورفع إلى المجتمع الدولي قضية الكيان اللبناني وحدوده ومستقبله.
كان يعرف أن لبنان الذي خرج من الحرب لا يستطيع أن يعيش على جبلٍ محاصرٍ من كل الجهات.
وكان يؤمن بأن لبنان يحتاج إلى ساحله، ومدنه، وسهوله، وموارده.
وهكذا، انتقل الحويّك من الدفاع عن شعبه في زمن المجاعة إلى الدفاع عن وطنه في زمن إعادة رسم العالم.
لم يكن يحمل سيفًا.
كان يحمل ملفًا.
ولم يكن يملك جيشًا.
كان يملك قضية.
ولم يكن يفاوض باسم طائفةٍ تريد أن تعزل نفسها.
كان يطالب بوطنٍ يستطيع أن يعيش فيه أبناؤه جميعًا.
وقد عُرف عنه قوله لرئيس الوزراء الفرنسي جورج كليمنصو:
“أنا بطريرك الموارنة، طائفتي لبنان، وأنا لكل اللبنانيين”.
وقد أصبحت هذه العبارة من أكثر العبارات التصاقًا بذاكرة البطريرك الحويّك الوطنية.
لبنان الكبير… حلمٌ خرج من الألم
في الأول من أيلول ١٩٢٠، أُعلن قيام دولة لبنان الكبير.
وكان البطريرك الحويّك حاضرًا في المشهد التاريخي الذي ارتبط بإعلان الكيان الجديد.
لكن قراءة تاريخ تلك المرحلة تحتاج إلى شيءٍ من الأمانة.
فقيام لبنان الكبير لم يكن نتيجة عمل شخصٍ واحد، ولا نتيجة قرارٍ منفرد.
لقد شاركت فيه عوامل دولية وإقليمية ومحلية معقدة.
لكن دور الحويّك كان محوريًا في الدفاع عن فكرة لبنان بحدوده الموسعة، وفي نقل المطالبة اللبنانية إلى المحافل الدولية، وفي تثبيت رؤيةٍ وطنية كان يرى فيها لبنان وطنًا لجميع أبنائه.
ولهذا بقي اسمه مرتبطًا بلبنان الكبير.
لا لأنه كان يريد وطنًا لطائفة.
بل لأنه كان يريد وطنًا يحفظ للموارنة وجودهم، ويضم أبناء الطوائف الأخرى، ويعيش على قاعدة الشراكة والحرية.
لقد كان يرى أن لبنان لا يكون كبيرًا بالمساحة فقط.
بل يكون كبيرًا بقدرته على احتضان التنوع.
مجد لبنان أُعطي له”… بين التاج والصليب”
في متحف البطريرك الحويّك، بقيت أشياء كثيرة تشهد على الرجل الذي عاش خلف التاريخ.
تاجه.
عصاه.
ثيابه الكهنوتية.
صليبه.
خاتمه.
نظارته.
ساعته.
غرفته.
مكتبه.
ومقتنيات رجلٍ كان يستطيع أن يعيش في مجد البطريركية، لكنه اختار البساطة.
وعلى صندوق تاجه، كُتبت العبارة:
“مجد لبنان أُعطي له”.
لكن من يتأمل حياة الحويّك يعرف أن المجد الذي حمله لم يكن مجدًا دنيويًا.
فالرجل الذي باع من مقتنيات البطريركية لإطعام الجائعين لم يكن أسير الذهب.
والرجل الذي عاش ببساطة لم يكن يبحث عن الفخامة.
والرجل الذي حمل قضية لبنان إلى العالم لم يكن يبحث عن مجد شخصي.
كان يرى أن كل ما يملكه ليس له.
بل للكنيسة.
وللفقراء.
وللوطن.
ولله.
البطريرك الذي جعل من الديمان ذاكرة
كان الحويّك مرتبطًا بالديمان.
ففي ذلك الوادي، حيث تتنفس قنوبين، وحيث حفظ الموارنة ذاكرتهم عبر القرون، وجد البطريرك شيئًا من روح الكنيسة القديمة.
فبنى الكرسي البطريركي الصيفي في الديمان، وجعل منه موضعًا يجتمع فيه التاريخ والكنيسة والوطن.
واليوم، بعد عقودٍ من رحيله، يعود اسمه إلى المكان نفسه.
لا كذكرى فقط.
بل كطوباوي.
وهنا تكمن روعة التاريخ:
أن المكان الذي عرف خطوات البطريرك، سيشهد اليوم إعلانًا جديدًا في مسيرة قداسته.
“من «مكرّم» إلى “طوباوي
في الخامس من تموز ٢٠١٩، وافق البابا فرنسيس على مرسوم الاعتراف بالفضائل البطولية للبطريرك الياس الحويّك، فأصبح «مكرّمًا» في مسار الكنيسة نحو التطويب.
ثم جاءت المعجزة التي نُسبت إلى شفاعته.
في عام ١٩٦٥، كان الضابط في الجيش اللبناني نايف أبو عاصي يعاني مرضًا مزمنًا في العمود الفقري.
وبحسب ملف الدعوى، وبعد رؤيته البطريرك الحويّك في المنام، استيقظ وقد شُفي من مرضه.
وكان الرجل مسلمًا من طائفة الموحدين الدروز.
وهنا، مرةً أخرى، يبدو أن حياة الحويّك نفسها عادت لتتكلم.
فالرجل الذي قال:
“لا فرق بين مسيحي ومسلم“
جاءت المعجزة المرتبطة بشفاعته، بحسب التحقيق الكنسي، لرجلٍ مسلم.
وفي ٢٢ أيار ٢٠٢٦، أذن البابا لاون الرابع عشر بإصدار المرسوم المتعلق بالمعجزة المنسوبة إلى شفاعة البطريرك الحويّك، فاتحًا الطريق إلى تطويبه.
واليوم، في ٢٥ تموز ٢٠٢٦، يُحتفل بإعلانه طوباويًا في الديمان، في حدثٍ يجمع الكنيسة والوطن والذاكرة اللبنانية.
القداسة لا تهرب من التاريخ
ربما يظن البعض أن القداسة تعني الابتعاد عن العالم.
لكن سيرة الياس الحويّك تقول شيئًا آخر.
فالقداسة قد تكون في دير.
وقد تكون في صومعة.
وقد تكون في صمت راهب.
لكنها قد تكون أيضًا في قلب المجاعة.
وفي قاعة مؤتمر.
وفي مواجهة سلطان.
وفي الدفاع عن وطن.
وفي فتح مخزن القمح.
وفي إنقاذ طفل.
وفي إطعام إنسانٍ لا يشبهك في الدين.
كان الحويّك رجل صلاة.
لكن صلاته لم تمنعه من العمل.
وكان رجل كنيسة.
لكن كنيسته لم تمنعه من حمل الوطن.
وكان بطريركًا.
لكن البطريركية لم تمنعه من الانحناء أمام الفقير.
بل ربما كان هذا هو سر عظمته.
لقد عرف أن من يريد أن يصعد إلى الله، لا يستطيع أن يتجاوز الإنسان.
البطريرك والسينودس… الكنيسة التي تبني ذاتها
لم تكن سنوات الحويّك البطريركية سنوات مواجهة وطنية فقط.
فقد شهد عهده عملًا كنسيًا واسعًا في تنظيم الحياة المارونية، وتطوير التعليم، وتثبيت حضور الإكليروس، والاهتمام بالمؤسسات والرهبانيات، وفي معالجة قضايا الكنيسة عبر المجالس والسينودسات.
وفي الذاكرة الكنسية، ارتبط عهده بمرحلةٍ حاسمة من تاريخ الكنيسة المارونية:
مرحلة الانتقال من زمن الإمبراطورية إلى زمن الدولة.
ومن الدفاع عن الوجود إلى بناء المؤسسات.
ومن حفظ الإيمان في الجبل إلى حمله إلى العالم.
ولهذا، فإن دراسة مجامع الكنيسة في عهده تكشف شيئًا مهمًا:
أن الحويّك لم يكن رجل سياسةٍ فقط.
كان بطريركًا يعمل على بناء كنيسةٍ قادرة على مواجهة القرن العشرين.
كنيسةٍ متعلمة.
منظمة.
حاضرة في المجتمع.
وفية لتقليدها.
ومفتوحة على رسالتها.
وهذا ما يجعل عهده، في صفحات التاريخ الكنسي، جسرًا بين الماضي والمستقبل.
رجل الحوار… لا رجل العزلة
من السهل أن يُختصر الحويّك في لقب “أب لبنان الكبير”.
لكن هذا اللقب، على أهميته، لا يختصر الرجل.
فالحويّك لم يكن مجرد رجل مشروع وطني.
كان رجل علاقات.
ورجل حوار.
ورجل تواصل.
عرف كيف يتحدث مع رجال الدين.
ومع السياسيين.
ومع الفرنسيين.
ومع العثمانيين.
ومع أبناء الطوائف الأخرى.
لكن الحوار بالنسبة إليه لم يكن تنازلًا عن الهوية.
كان وسيلةً لحماية الإنسان.
ولذلك، ظلّت صورته في الذاكرة اللبنانية مرتبطة بفكرةٍ تتجاوز حدود الطائفة:
أن لبنان لا يعيش إلا إذا عاش جميع أبنائه.
طوبى للرحماء”… في سيرة رجلٍ لم ينسَ الجائع”
إذا كان لكل إنسانٍ آيةٌ تختصر حياته، فقد تكون الآية الأقرب إلى الحويّك:
“طوبى للرحماء، فإنهم يُرحمون”.
فالرحمة كانت في قلب خدمته.
رحمةٌ بالجائع.
رحمةٌ بالفقير.
رحمةٌ بالطفل.
رحمةٌ بالعائلة.
رحمةٌ بالوطن.
ورحمةٌ بالإنسان، أيًا كان اسمه ودينه.
وقد يكون هذا هو السبب في أن الذاكرة الشعبية لم ترَ في الحويّك رجلًا سياسيًا فقط.
رأته أبًا.
والأب لا يترك أبناءه عندما يجوعون.
والأب لا يبيع ما يملك ليعيش هو، بينما يموت أولاده.
والأب لا يختار واحدًا منهم ويترك الآخرين.
بل يقول:
“أعطوا الجميع”.
اليوم… أجراس الديمان
اليوم، في الديمان، لا يُعلن انتصار رجلٍ على رجل.
ولا انتصار طائفةٍ على طائفة.
ولا انتصار مشروعٍ سياسي على مشروعٍ آخر.
اليوم، تحتفل الكنيسة بثمرة حياةٍ رأت فيها الفضائل البطولية، واعترفت بمعجزةٍ منسوبة إلى شفاعته، ورفعته إلى مقام الطوباوي.
وفي هذه اللحظة، يلتقي الحويّك الذي حمل الجائعين في قلبه، بالحويّك الذي حمل لبنان إلى العالم، بالحويّك الذي أسس مدرسةً ورهبنةً ومؤسسات، بالحويّك الذي عاش الفقر الإنجيلي، بالحويّك الذي ظلّ يرى في كل إنسان ابنًا.
وفي هذا اليوم، لا يحتاج لبنان إلى تمثالٍ جديد بقدر ما يحتاج إلى درسٍ جديد.
درسٍ في أن الوطن ليس شعارًا.
وأن الكنيسة ليست قصرًا.
وأن السلطة ليست امتيازًا.
وأن القداسة ليست هروبًا.
طوباوي لبنان الكبير
من حلتا جاء.
وفي روما تعلّم.
وعلى مذبح المسيح خدم.
وفي بكركي حمل أمانة الكنيسة.
وفي زمن المجاعة أطعم الجائعين.
وفي باريس حمل قضية وطن.
وفي الديمان ترك ذاكرة.
وفي السماء، اليوم، ترفع الكنيسة اسمه.
لكن أجمل ما في البطريرك الياس الحويّك أن حياته لا تقول لنا:
كونوا مثلي في السلطة.
بل تقول:
كونوا أمناء في الخدمة.
لا تقول:
احملوا الألقاب.
بل تقول:
احملوا أوجاع الناس.
لا تقول:
ابنوا وطنًا لطائفتكم.
بل تقول:
ابنوا وطنًا يتسع للجميع.
ولذلك، فإن عبارة:
“أنا بطريرك الموارنة، طائفتي لبنان، وأنا لكل اللبنانيين”
ليست مجرد جملةٍ تاريخية.
إنها وصية.
وصيةٌ لرجلٍ فهم أن لبنان لا يكون كبيرًا إذا كان كبيرًا على بعض أبنائه.
وأن الكنيسة لا تكون عظيمةً إذا كانت عظمتها في الذهب.
وأن البطريرك لا يكون أبًا إذا لم يسمع صرخة الجائع.
وفي يوم تطويبه، ربما لا نحتاج إلى أن نسأل:
من كان الياس الحويّك؟
فقد أجاب عن ذلك طوال حياته.
كان كاهنًا.
وبطريركًا.
ومؤسسًا.
وراعيًا.
ومدافعًا عن وطن.
وأبًا للفقراء.
ورجلًا حمل في قلبه شعبًا كاملًا.
واليوم، تضعه الكنيسة على طريق المجد السماوي، لا لأنه عاش بعيدًا عن آلام الأرض، بل لأنه اقترب منها حتى النهاية.
من حلتا إلى بكركي.
ومن بكركي إلى باريس.
ومن باريس إلى لبنان الكبير.
ومن لبنان الكبير إلى الديمان.
ومن الديمان إلى مذبح الكنيسة.
الياس الحويّك… طوباويًا.
ولعل أجمل صلاةٍ تُرفع اليوم، في ظلّ أجراس الديمان، هي:
يا طوباوي لبنان الكبير،
يا أب الجائعين،
يا راعي الكنيسة والوطن،
علّمنا أن نحبّ لبنان لا بالكلام، بل بالخدمة.
وأن نحفظ الإيمان لا بالخوف، بل بالأمانة.
وأن نرى في كل إنسانٍ أخًا،
وفي كل جائعٍ وجهًا للمسيح،
وفي كل وطنٍ أمانةً أمام الله.
طوبى لك، يا أب لبنان الكبير.
طوبى لك، يا راعي الجائعين.
طوبى لك، يا بطريرك الصلاة والعمل.
طوبى لك، يا الياس الحويّك.
فقد أعطاك لبنان ذاكرته…
وأعطتك الكنيسة إكليلها…
وأعطاك الرب، بعد طول انتظار،
فرح التطويب.
-
-
آخر الأخبارمن ديمان إلى جربتا… ذخائر الطوباوي البطريرك إلياس الحويّك تواصل مسيرة النعمة وتجمع قداسة رفقا بأب الوطن
29 July 2026 -
آخر الأخبارعظة البطريرك الراعي في قداس تطويب البطريرك الياس الحويّك
27 July 2026 -
آخر الأخبارإيقونة الطوباوي الياس الحويّك: حين تتحوّل سيرة الراعي إلى صلاةٍ مرسومة
25 July 2026 -
آخر الأخباربطريرك الكنيسة الكلدانية يصل إلى لبنان في أول زيارة تاريخية منذ تنصيبه
21 July 2026 -
آخر الأخبارانشقاق في روما
4 July 2026 -
آخر الأخبارالمسكونية في الحياة اليومية: من الحوار إلى الشهادة المشتركة
30 June 2026 -
آخر الأخبارالحوار اللاهوتي بين الكنائس: مسيرة طويلة نحو الفهم المتبادل
30 June 2026 -
آخر الأخبارالمجمع الفاتيكاني الثاني وبداية المسيرة المسكونية الحديثة
30 June 2026
-
-
- لا توجد مقالات الأكثر قراءة اليوم

