زيارة روحية تاريخية بعد إعلان التطويب تؤكد أن القداسة تنسجها العناية الإلهية عبر الأجيال
في أعقاب الحدث التاريخي الذي شهدته بكركي والديمان في ٢٥تموز ٢٠٢٦ بإعلان تطويب البطريرك الماروني إلياس بطرس الحويّك، بدأت ذخائر الطوباوي رحلة روحية عبر الأديرة والرعايا اللبنانية، لتتحول إلى مسيرة إيمان ورجاء، تستعيد صفحات مضيئة من تاريخ الكنيسة المارونية، وتعيد إلى الأذهان سيرة راعٍ عاش الإنجيل خدمةً للبنان والإنسان.
وكانت إحدى أبرز محطات هذه المسيرة المباركة دير مار يوسف – جربتا، حيث يرقد جسد القديسة رفقا، في لقاء روحي عميق حمل رمزية استثنائية، وكأن التاريخ عاد ليجمع شخصيتين صنعتا معًا، كلٌ بطريقته، صفحة ناصعة من تاريخ القداسة المارونية.
لقاء صنعته العناية الإلهية
استقبل دير مار يوسف جربتا ذخائر الطوباوي البطريرك إلياس الحويّك وسط أجواء احتفالية مفعمة بالصلاة والإيمان، بحضور المطران منير خيرالله، والمطران يوحنا علوان، والرئيسة العامة لجمعية راهبات العائلة المقدسة المارونيات الأم ماري أنطوانيت سعادة، والرئيسة العامة للراهبات اللبنانيات المارونيات الأم دوللي شعيا، إلى جانب رئيسة الدير الأم راغدة أنطون، ومرشد الدير الأب ميشال اليان، ورئيس دير كفيفان الأب اسطفان فرح، وعدد كبير من الرهبان والراهبات والمؤمنين.
وحُملت الذخائر في موكب مهيب إلى ضريح القديسة رفقا، على وقع التراتيل والزغاريد ونثر الورود، في مشهدٍ اختلطت فيه دموع الفرح بخشوع الصلاة، ليؤكد أن الكنيسة لا تحتفل فقط بالأمجاد الماضية، بل تستحضر حضور القديسين والطوباويين في حياة شعبها اليوم.
من غزير إلى جربتا… خيوط خفية نسجها الله
في كلمة مؤثرة، استحضرت الأم دوللي شعيا بعدًا تاريخيًا وروحيًا يكشف كيف تعمل العناية الإلهية بصمت عبر العقود.
ففي الإكليريكية البطريركية في غزير، كان الإكليريكي الشاب إلياس الحويّك يستعد للكهنوت، فيما كانت الأخت بطرسية، التي ستصبح لاحقًا القديسة رفقا، تخدم بتواضع في مطبخ الإكليريكية، تعدّ الخبز للطلاب الذين سيحملون فيما بعد “خبز الحياة” إلى المؤمنين.
لم يكن أحد منهما يدرك آنذاك أن طرقهما ستلتقي مرة أخرى في مشروع الله.
فالإكليريكي الذي خدمته رفقا، أصبح فيما بعد البطريرك الذي وافق على فتح دعوى قداستها، وأرسل عام ١٩٢٥ ملفها إلى الكرسي الرسولي في روما، إلى جانب ملفي القديسين شربل مخلوف ونعمة الله الحرديني، فاتحًا الطريق أمام مسيرة تقديسهم التي ستغني الكنيسة الجامعة.
ولم يكن ذلك مجرد وفاء شخصي، بل كان ثمرة رؤية كنسية تؤمن بأن القداسة هي كنز لبنان الحقيقي ورسالة هذا الوطن إلى العالم.
بيت الحويّك… قريب من بيت رفقا
ولعل من أجمل ما كشفته المناسبة هو العلاقة التاريخية بين عائلة الحويّك ودير جربتا.
فقد عاشت في الدير ثلاث راهبات من آل الحويّك، أبرزهن الأخت أنجليكا الحويّك، ابنة عم البطريرك وأحد المؤسسين الأوائل للدير، ما جعل العلاقة بين بيت الحويّك وبيت رفقا علاقة عائلية وروحية امتدت لأكثر من قرن ونصف.
واليوم، يعود الطوباوي إلى جربتا، لا كإكليريكي ناشئ، بل كطوباوي كرّمته الكنيسة، ليقف عند ضريح القديسة التي خدمته يومًا بصمت، في صورة تختصر معنى الإنجيل: “من يضع نفسه يرتفع.”
رسالة القداسة تبدأ من الخدمة
تميزت كلمة الأم شعيا بتركيزها على الرسالة الروحية لهذا اللقاء، مؤكدة أن القداسة لا تبدأ بالأعمال العظيمة، بل بالأمانة في التفاصيل الصغيرة.
فالقديسة رفقا لم تكن تعلم أن خدمتها المتواضعة في المطبخ ستكون جزءًا من مشروع إلهي كبير، كما أن الشاب إلياس الحويّك لم يكن يعلم أنه سيصبح بطريركًا يقود الكنيسة في واحدة من أدق مراحل “تاريخ لبنان، ويؤسس للمواقف الوطنية التي جعلته يُلقب لاحقًا بـ “أبي لبنان الكبير.
إنها دعوة لكل مؤمن كي يثق بأن الله لا ينسى أي عمل محبة أو تضحية أو صلاة، حتى وإن بقيت مخفية عن أعين الناس.
“جربتا تستقبل “أبا الوطن
من جهتها، رحبت رئيسة الدير الأم راغدة أنطون بالوفد الكنسي والمؤمنين، معبرة عن امتنانها لهذه الزيارة المباركة، التي وصفتها بأنها نعمة كبيرة للدير ولجميع أبنائه الروحيين.
كما أعلن الأب المرشد ميشال اليان أن الجماعة الرهبانية ستواصل تكريم الطوباوي في صلواتها، وستسأل بشفاعته أن يحفظ الله لبنان، ويمنح أبناءه الثبات في الإيمان والوحدة والسلام.
وفي ختام الاحتفال، قدمت الأم ماري أنطوانيت سعادة أيقونة الطوباوي البطريرك إلياس الحويّك إلى الدير، لتبقى علامة دائمة على هذا اللقاء التاريخي، قبل أن يتقدم المؤمنون للتبرك من الذخائر، طالبين شفاعة الطوباوي من أجل عائلاتهم وكنيستهم ووطنهم.
ذخائر القديسين… حضور النعمة في مسيرة الكنيسة
تحرص الكنيسة، منذ القرون الأولى، على تكريم ذخائر القديسين والطوباويين، لا باعتبارها مجرد تذكار تاريخي، بل لأنها تشير إلى أجساد تقدست بنعمة الله وأصبحت شاهدة على عمل الروح القدس في الإنسان.
وتدعو هذه الزيارات المؤمنين إلى تجديد إيمانهم، والاقتداء بفضائل القديسين، طالبين شفاعتهم، إذ تبقى الذخائر علامة ملموسة على الشركة بين الكنيسة المجاهدة على الأرض والكنيسة الممجدة في السماء.
من ديمان إلى كل لبنان… مسيرة رجاء
بعد احتفال التطويب التاريخي في الديمان، تبدو زيارة ذخائر الطوباوي إلياس الحويّك إلى الأديرة والرعايا أكثر من مجرد برنامج رعوي؛ إنها حجّ وطني وروحي يعيد اكتشاف شخصية البطريرك الذي جمع بين القداسة وخدمة الإنسان، وبين الدفاع عن الكنيسة والعمل من أجل كرامة لبنان.
وفي لقائه الروحي مع القديسة رفقا في جربتا، تتجسد رسالة عميقة: أن القداسة لا تُصنع في لحظات المجد، بل في أمانة الحياة اليومية، وأن الله يقود التاريخ بخيوط خفية لا تنكشف إلا في الزمن الذي يختاره.
فليكن هذا اللقاء المبارك دعوة متجددة لكل مؤمن، كي يحمل صليبه برجاء، ويعيش رسالته بتواضع، ويؤمن، كما آمن الطوباوي إلياس الحويّك والقديسة رفقا، بأن العناية الإلهية لا تتخلى عن لبنان، وأن القداسة تبقى الطريق الأسمى لبناء الإنسان والوطن.
-
-
آخر الأخبارعظة البطريرك الراعي في قداس تطويب البطريرك الياس الحويّك
27 July 2026 -
آخر الأخبارإيقونة الطوباوي الياس الحويّك: حين تتحوّل سيرة الراعي إلى صلاةٍ مرسومة
25 July 2026 -
آخر الأخبارمن حلتا إلى الديمان… البطريرك الياس الحويّك: الطوباوي الذي حمل لبنان في قلبه وحمل الجائعين إلى قلب الكنيسة
25 July 2026 -
آخر الأخباربطريرك الكنيسة الكلدانية يصل إلى لبنان في أول زيارة تاريخية منذ تنصيبه
21 July 2026 -
آخر الأخبارانشقاق في روما
4 July 2026 -
آخر الأخبارالمسكونية في الحياة اليومية: من الحوار إلى الشهادة المشتركة
30 June 2026 -
آخر الأخبارالحوار اللاهوتي بين الكنائس: مسيرة طويلة نحو الفهم المتبادل
30 June 2026 -
آخر الأخبارالمجمع الفاتيكاني الثاني وبداية المسيرة المسكونية الحديثة
30 June 2026
-
-
- لا توجد مقالات الأكثر قراءة اليوم

