Al Massara

11 July 2026

إبراهيم اليازجي… مئة عام على ميلاد نهضةٍ لم تزل تنبض

A-
A
A+

في سجلّ الرجال الذين أودعهم الله في تاريخ هذه الأمّة ليكونوا مناراتٍ تهدي الأجيال، يسطع اسم الشيخ إبراهيم اليازجي ككوكبٍ منير في سماء اللغة والأدب والفكر. وها نحن، بعد مرور مئة عام على ميلاده، نقف بخشوعٍ أمام ذكرى رجلٍ لم يكن مجرّد أديبٍ أو لغويّ، بل كان رسالةً حيّة حملت همّ النهضة العربية، وجعلت من الكلمة سلاحًا للمعرفة، ومن الحرف منبرًا للحرية، ومن اللغة وطنًا تتجسّد فيه هوية الشرق وروحه.

لقد خصّصت مجلة «المسرّة» في سنتها الثالثة والثلاثين، الجزء السادس الصادر في حزيران سنة ١٩٤٧، عددًا تذكاريًا استثنائيًا بمناسبة الذكرى المئوية لميلاد الشيخ إبراهيم اليازجي، فجمعت في صفحاته شهاداتٍ وأبحاثًا ومقالاتٍ تُضيء على سيرة هذا العملاق الذي اقترن اسمه بحركة الإحياء الأدبي واللغوي في القرن التاسع عشر، حتى أصبح أحد أبرز أعمدة النهضة العربية الحديثة.

كان اليازجي ابن زمنٍ مضطرب، لكنّه اختار أن يكون صانعًا للنور وسط العواصف. ففي مرحلةٍ كانت اللغة العربية تواجه تحدياتٍ جمّة، نهض مدافعًا عنها بعزم المؤمن برسالته، مؤكدًا أن اللغة ليست أداة تواصل فحسب، بل وعاء الحضارة وذاكرة الشعوب وروح الأمم. ومن هنا جاءت أعماله اللغوية والأدبية شاهدةً على عبقريةٍ نادرة جمعت بين الأصالة والتجديد، وبين الوفاء للتراث والانفتاح على آفاق العصر.

وإذا كان التاريخ يحتفظ بأسماءٍ كثيرة، فإن القليل منها ينجح في تجاوز حدود الزمن ليصبح رمزًا خالدًا. وإبراهيم اليازجي واحد من هؤلاء. فقد ترك أثرًا عميقًا في مسيرة الصحافة العربية، وأسهم في تطوير أساليب الكتابة والتعبير(إعتمَد لغة عربية جزلة ورفيعة، مليئة بالصور البلاغية والتعابير المهيبة مثل: “منارات النهضة”، “رسول الضاد”، “حارس البيان العربي”، “شعلة الفكر”، “أيقونة النهضة الثقافية”، و”الذاكرة الحية للأمة”.)، كما أغنى المكتبة العربية بمؤلفاتٍ وترجماتٍ ودراساتٍ ما تزال موضع تقدير الباحثين والمهتمين إلى يومنا هذا.

إن الاحتفاء بمئوية ميلاده لم يكن مجرّد استذكارٍ لشخصية تاريخية، بل كان فعل وفاءٍ لرائدٍ من رواد النهضة، ورمزٍ من رموز الثقافة العربية المسيحية التي أسهمت بفاعلية في بناء النهضة الفكرية والأدبية في المشرق. فمن خلال حياته وإنتاجه، تتجلّى صورة المثقف المؤمن برسالته، العامل بصمتٍ وإخلاص، والساعي إلى خدمة الحقيقة والجمال والخير.

وفي هذا العدد التذكاري، تتعانق الأقلام والذكريات لتنسج إكليلًا من التقدير حول اسمٍ صار جزءًا من الوجدان الثقافي العربي. فالمئوية هنا ليست مناسبةً زمنية عابرة، بل وقفة تأملٍ أمام إرثٍ لا يزال حيًا، يذكّرنا بأن الأمم تُبنى بالفكر كما تُبنى بالسواعد، وأن الكلمة الصادقة قادرة على عبور القرون لتبقى مشعّةً كالسراج الموضوع على المنارة.

سلامٌ على إبراهيم اليازجي في ذكراه المئوية، وسلامٌ على كلّ قلمٍ جعل من العلم رسالة، ومن الثقافة خدمةً للإنسان، ومن اللغة العربية معبدًا للجمال والحقيقة. فالأعلام الكبار لا يموتون، لأن آثارهم تبقى شاهدةً على حضورهم، ولأن النور الذي أشعلوه في زمنهم يظلّ يهدي السائرين في دروب المعرفة عبر الأجيال.