Al Massara

11 July 2026

عندما صمتت البطريركية وبكت أنطاكية

A-
A
A+

 المسرّة” تؤبّن البطريرك ديمتريوس الأول قاضي في عدد استثنائي عام ١٩٢٥”

في بعض اللحظات النادرة من تاريخ الكنيسة، لا تكون الوفاة مجرد رحيل رجل، بل انتقال عهدٍ كامل إلى صفحات الذاكرة. تهدأ الأجراس، وتنخفض الأصوات، وتلبس المدن ثوب الحداد، لأن شخصية استثنائية غادرت مسرح الزمن تاركة وراءها إرثاً من الإيمان والخدمة والنضال الروحي.

هكذا كان المشهد في عام ١٩٢٥ عندما ودّعت الكنيسة الملكية الكاثوليكية بطريركها الجليل، المثلث الرحمات ديمتريوس الأول قاضي، أحد أبرز الرعاة الذين قادوا سفينة أنطاكية في مرحلة دقيقة من تاريخ الشرق المسيحي.

وأمام وقع هذا الحدث الكبير، خصّصت “مجلة المسرّة” في سنتها الحادية عشرة، الجزء الحادي عشر (تشرين الثاني ١٩٢٥)، عدداً تذكارياً مهيباً امتدّ على ستين صفحة كاملة، من الصفحة ٦٤٥ إلى الصفحة ٧٠٥، بقلم الأب إلياس أندراوس البولسي، ليكون بمثابة نصبٍ أدبي وروحي يخلّد ذكرى البطريرك الراحل ويؤرخ لمسيرته الاستثنائية.

لم يكن هذا العدد مجرد رثاء لشخصية كنسية مرموقة، بل بدا كأنه مرثية لأنطاكية نفسها.

فمن بين السطور ينهض البطريرك ديمتريوس الأول قاضي بصورة الأب الحاني والراعي الأمين الذي حمل هموم الكنيسة وشعبها في زمن التحولات الكبرى التي عصفت بالشرق خلال العقود الأولى من القرن العشرين. كانت المنطقة الخارجة من أهوال الحرب العالمية الأولى تعيش مخاضاً سياسياً واجتماعياً عسيراً، فيما كانت الكنائس تكافح للحفاظ على حضورها ورسالتها وسط عالم يتغير بسرعة.

وفي قلب تلك العواصف وقف البطريرك ديمتريوس قاضي كحارسٍ للإيمان ووحدة الكنيسة.

يستعرض الأب إلياس أندراوس في هذا العدد مسيرة رجل كرّس حياته لخدمة الإنجيل، فجمع بين الحكمة الرعوية والغيرة الرسولية، وبين التواضع الشخصي والصلابة في الدفاع عن حقوق الكنيسة وأبنائها. وقد بدا البطريرك في صفحات “المسرّة” أشبه بمنارة روحية تتحدى أمواج الاضطراب، موجهاً المؤمنين نحو الرجاء والثبات.

وتتوقف الدراسة عند محطات عديدة من حياته، فتروي سنوات خدمته الكهنوتية والأسقفية والبطريركية، وتستعيد مواقفه في تعزيز التعليم المسيحي، ودعم المؤسسات الكنسية، وتشجيع النهضة الفكرية والدينية التي كانت تشهدها الكنائس الشرقية آنذاك.

لكن ما يمنح هذا العدد قيمته الخاصة ليس السرد التاريخي وحده، بل النبرة الروحية العميقة التي تملأ صفحاته.

فالقارئ لا يقرأ سيرة رجل فحسب، بل يلمس صورة الراعي الصالح الذي عاش رسالته حتى النهاية. وتتحول الكلمات إلى صلاة، والذكريات إلى بخور يرتفع من مذابح الامتنان، فيما تتردد بين السطور مشاعر الحزن الممزوجة بالإيمان، لأن الكنيسة التي تبكي أبناءها العظماء تؤمن أيضاً بأن الموت ليس نهاية الطريق، بل عبور إلى المجد الأبدي.

ويبدو العدد بأكمله وكأنه موكب جنائزي مهيب تعبر فيه شخصية البطريرك من التاريخ إلى الخلود. فبين الشهادات والذكريات والتحليلات، يتشكل أمام القارئ وجه رجل ترك بصمة لا تُمحى في تاريخ الكرسي الأنطاكي، وأصبح اسمه جزءاً من ذاكرة الكنيسة الجامعة.

واليوم، وبعد أكثر من قرن على صدور هذا العدد التذكاري، لا يزال يشكل وثيقة تاريخية نادرة تحفظ للأجيال صورة مرحلة كاملة من تاريخ المسيحية الشرقية. فهو لا يروي فقط قصة بطريرك راحل، بل يكشف روح عصرٍ كانت فيه القيادة الروحية رسالة تضحية وخدمة، وكان الرعاة يحملون على أكتافهم آمال شعبٍ بأكمله.

لقد رحل ديمتريوس الأول قاضي عن هذا العالم، لكن الأثر الذي تركه بقي حياً في الكنيسة التي أحبها وخدمها. أما “المسرّة”، فقد نجحت في أن تحول الحداد إلى شهادة، والدموع إلى تاريخ، والذكرى إلى صفحة خالدة من صفحات أنطاكية.

وهكذا، عندما صمت صوت البطريرك على الأرض، بقي صداه يتردد في قلوب المؤمنين، شاهداً على حياة كُتبت بالإيمان وخُتمت بالرجاء.