Al Massara

11 July 2026

عندما التقت السماء بالأرض

A-
A
A+

“المسرّة” تحتفي بالذكرى المئويّة التاسعة عشرة لاستشهاد

هامتي الرسل بطرس وبولس

 

في تمّوز من سنة ۱٩٦٨، وفي زمن كانت فيه الكنيسة الجامعة تستلهم أنفاس المجمع الفاتيكاني الثاني وتتطلّع إلى آفاق جديدة من الشهادة والرسالة، أصدرت مجلّة المسرّة عددًا استثنائيًا حمل في صفحاته نفحات من الإيمان الرسولي الأصيل، مكرّسًا للذكرى المئويّة التاسعة عشرة لاستشهاد هامتي الرسل، القدّيسين بطرس وبولس، عمودي الكنيسة ونجمَي البشارة اللذين أضاءا تاريخ المسيحية بنور الشهادة والحق.

ففي السنة الرابعة والخمسين من عمر المجلّة، صدر الجزء السابع (تمّوز ۱٩٦٨)، في العددين ٥٣٧ و٥٣٨، على امتداد صفحات غنية تراوحت بين الصفحة ٤٨۱ والصفحة ٦٧٢، ليشكّل سفرًا روحيًا وتاريخيًا وفكريًا يليق بعظمة المناسبة وجلال الشخصيتين اللتين غيّرتا مجرى التاريخ الإنساني.

لم يكن الاحتفاء ببطرس وبولس مجرّد استذكار لحدث وقع في روما قبل تسعة عشر قرنًا، بل كان عودةً إلى الينابيع الأولى، إلى تلك اللحظة التي امتزج فيها دم الشهادة ببذور الكنيسة الناشئة. فبطرس، الصخرة التي أقام عليها المسيح كنيسته، ظلّ رمز الثبات والوحدة والإيمان الذي لا تهزّه العواصف، فيما جسّد بولس رسول الأمم روح الانطلاق والتجديد وحمل الإنجيل إلى أقاصي الأرض، متجاوزًا الحدود والأعراق والثقافات ليعلن أن المسيح جاء خلاصًا لجميع البشر.

وقد أدركت “المسرّة” أن ذكرى كهذه ليست مناسبة عابرة في الروزنامة الكنسية، بل محطة تأمل عميق في معنى الرسالة المسيحية ذاتها. لذلك حشدت أقلامًا لاهوتية وتاريخية وأدبية متميّزة، قدّمت دراسات وأبحاثًا وتأملات استحضرت عظمة الرجلين اللذين التقيا في الشهادة وإن اختلفت طرقهما، وتوحّدا في المحبة وإن تنوّعت مواهبهما، فصارا معًا صورةً حيّةً لوحدة الكنيسة في تنوّع أعضائها.

ومن بين صفحات هذا العدد الخاص، ترتفع صورة روما القديمة لا كعاصمة للإمبراطورية التي ظنّت أنها قادرة على إسكات صوت الإنجيل، بل كمدينة ارتوت بدماء الشهداء وصارت منارةً للإيمان. هناك، تحت سيف الاضطهاد، انتصر بطرس وبولس لا بقوة السلاح بل بقوة الحق، لا بسطوة السلطة بل بسلطان القداسة. فاستشهادهما لم يكن خاتمة لمسيرة، بل بداية لعصر جديد انتشر فيه نور المسيح من قلب الإمبراطورية إلى أطراف العالم.

ويبرز هذا العدد كذلك كوثيقة كنسية وثقافية ثمينة تعكس عمق الوعي المسيحي في المشرق خلال النصف الثاني من القرن العشرين. فهو لا يكتفي بسرد الوقائع التاريخية، بل يربط بين شهادة الرسل الأولى ورسالة المؤمنين في عالم معاصر يواجه تحديات متزايدة، مؤكدًا أن الكنيسة لا تزال مدعوّة إلى أن تحمل الروح الرسولي ذاته: روح الإيمان الشجاع، والمحبة الباذلة، والاستعداد الدائم للشهادة للحق مهما بلغت التضحيات.

بعد تسعة عشر قرنًا على استشهاد الرسولين العظيمين، ما زال صدى كلماتهما يتردّد في أرجاء العالم. وما زالت الكنيسة تستمدّ من بطرس ثباتها ومن بولس اندفاعها الرسولي. ومن هنا تأتي أهمية هذا العدد التاريخي من “المسرّة”، الذي لم يكن مجرد احتفال بذكرى ماضية، بل تجديدًا للعهد مع جذور الإيمان، وتأكيدًا أن دماء الشهداء لا تزال تنبض حياةً في جسد الكنيسة.

إنه عدد يذكّر القارئ بأن القداسة ليست ذكرى محفوظة في كتب التاريخ، بل دعوة متجددة لكل جيل؛ وأن الرسالة التي حملها بطرس وبولس إلى العالم لا تزال حيّة، تتجاوز الأزمنة والحدود، لتعلن أن نور المسيح أقوى من الظلمة، وأن كلمة الله، كما في الأمس كذلك اليوم وإلى الأبد، لا تُقيَّد.