في مسيرة الأمم رجالٌ يمرّون كالعابرين، ورجالٌ يتركون في الزمن أثرًا لا تمحوه القرون. ومن بين هؤلاء الخالدين ينهض اسم الشمّاس عبد الله الزاخر، ذلك الرائد الذي حمل نور المعرفة في زمنٍ كانت فيه المطابع نادرة، والكلمة المطبوعة حدثًا استثنائيًا، فصار اسمه مرتبطًا ببدايات النهضة الثقافية العربية وبفجر الطباعة الشرقية التي غيّرت وجه التاريخ.
وفي السنة الرابعة والثلاثين من مجلة «المسرّة»، خصّصت المجلة في الجزء الثاني الصادر في شهر شباط سنة ١٩٤٨ عددًا تذكاريًا مهيبًا بمناسبة الذكرى المئوية الثانية لوفاة الشمّاس عبد الله الزاخر، فجاء هذا العدد بمثابة تحية وفاء لرجلٍ سبق عصره، وأيقونةٍ مشرقيةٍ جعلت من الحرف رسالة، ومن الكتاب رسالة خلاصٍ للعلم والثقافة والإيمان.
مئتا سنة مرّت على رحيله، لكن صدى إنجازه ما زال يتردّد في أرجاء الشرق. فعبد الله الزاخر لم يكن مجرّد حرفيّ بارع أو ناسخٍ متقن، بل كان صاحب رؤيةٍ حضارية أدرك أن المعرفة لا تكتمل إلا إذا أصبحت في متناول الجميع. ومن هذا الإدراك النبيل انطلقت مسيرته التي قادته إلى إنشاء أول مطبعة عربية بالحروف العربية في بلاد الشام، فاتحًا بذلك بابًا جديدًا أمام انتشار الكتب والعلوم والصلوات والنصوص الأدبية في أرجاء المشرق.
لقد كانت الطباعة في نظره أكثر من تقنية؛ كانت رسالة تنوير. وكانت الحروف التي صاغها بيديه أشبه بصلواتٍ من معدن، تحوّلت إلى كلماتٍ تنبض بالحياة، وإلى صفحاتٍ حملت نور العلم إلى الأديرة والمدارس والبيوت. وهكذا أصبح الزاخر أحد البنّائين الأوائل للنهضة الفكرية التي ستزهر لاحقًا في ربوع الشرق العربي.
وإذا كان التاريخ يخلّد الملوك والقادة، فإنه لا ينسى أيضًا أولئك الذين شيّدوا صروح المعرفة بصمتٍ وتواضع. فالشمّاس عبد الله الزاخر لم يطلب مجدًا شخصيًا، بل كرّس حياته لخدمة الكلمة، مؤمنًا بأن الحرف الصالح قادر على عبور الأزمنة وصناعة الأجيال. ومن هنا اكتسبت سيرته بعدًا روحيًا يتجاوز حدود الإنجاز التقني، ليصبح مثالًا للمؤمن العامل، والمثقف الرسولي، والإنسان الذي وهب مواهبه لخدمة الحقيقة.
إن هذا العدد التذكاري الصادر سنة ١٩٤٨ لا يقدّم مجرد دراسة تاريخية لشخصية بارزة، بل يعيد إحياء مرحلة مشرقة من تاريخ الثقافة العربية المسيحية، حيث تلاقت القداسة بالعلم، والإيمان بالمعرفة، والعمل الدؤوب بخدمة الإنسان. وفي صفحاته تتجلّى صورة الزاخر كشاهدٍ على عصرٍ كامل، وكجسرٍ وصل بين التراث العريق والنهضة الآتية.
واليوم، بعد مرور قرنين على وفاته، لا تزال مطبعته رمزًا لانتصار الفكر على العتمة، ولقدرة الإنسان المؤمن على تحويل أبسط الأدوات إلى مشروع حضاري خالد. فما زرعه عبد الله الزاخر لم يكن حروفًا فحسب، بل بذور نهضةٍ امتدّت آثارها إلى أجيالٍ متعاقبة، وما خطّه لم يكن كلماتٍ على ورق، بل صفحاتٍ من نور في سجلّ تاريخ المشرق.
سلامٌ على الشمّاس عبد الله الزاخر، رائد الطباعة العربية، وخادم الكلمة الأمين. وسلامٌ على ذكرى رجلٍ أثبت أن الحروف قد تصبح منارات، وأن الكتاب قد يتحوّل إلى رسالة خلود، وأن الأعمال العظيمة التي تُصنع بمحبة وإيمان تبقى حيّةً في ذاكرة الشعوب مهما تعاقبت القرون.
-
-
أبحاث تاريخية وفكرية“الكنيسة أمّ الشعوب ومربّيتها”
11 July 2026 -
أبحاث تاريخية وفكريةعندما التقت السماء بالأرض
11 July 2026 -
أبحاث تاريخية وفكريةعندما ارتدى العالم ثوب الحداد
11 July 2026 -
أبحاث تاريخية وفكريةخمسون عامًا من النور والكلمة
11 July 2026 -
أبحاث تاريخية وفكريةإبراهيم اليازجي… مئة عام على ميلاد نهضةٍ لم تزل تنبض
11 July 2026 -
أبحاث تاريخية وفكريةعندما صمتت البطريركية وبكت أنطاكية
11 July 2026 -
أبحاث تاريخية وفكريةشربل… الناسك الذي أضاء الشرق
11 July 2026 -
أبحاث تاريخية وفكريةحين ارتدت السماءُ ثوبَ مريم… العدد الذي حوّل “المسرّة” إلى كاتدرائية من نور
11 July 2026
-
-
-
أبحاث تاريخية وفكريةفي رحاب الذاكرة المقدسة
10 July 2026 -
أبحاث تاريخية وفكريةالخوري قسطنطين الباشا المخلصي: رصد شامل لمقالاته وسلاسله التاريخية في الصحافة الكنسية
11 July 2026 -
أبحاث تاريخية وفكريةعندما صمتت البطريركية وبكت أنطاكية
11 July 2026 -
أبحاث تاريخية وفكريةعندما التقت السماء بالأرض
11 July 2026
-

