Al Massara

11 July 2026

“الكنيسة أمّ الشعوب ومربّيتها”

A-
A
A+

عددٌ تاريخيّ من «المسرّة» يحتفي بنداء القدّيس يوحنّا الثالث والعشرين إلى العالم

 

في مطالع ستينيّات القرن العشرين، وبينما كانت البشريّة تعبر منعطفاتٍ مصيريّة في تاريخها الحديث، ارتفع من كرسيّ بطرس صوتٌ أبويّ حمل إلى العالم رسالة رجاءٍ وسلام. كان صوت قداسة البابا يوحنّا الثالث والعشرين، ذلك الحبر الجليل الذي عُرف بوجهه المضيء وبقلبه المفتوح على الإنسان أينما كان، والذي أراد للكنيسة أن تكون أكثر قربًا من أبنائها وأكثر حضورًا في قلب قضايا العصر.

ومن هذا المنطلق، أفردت مجلّة “المسرّة” في سنتها السابعة والأربعين (۱٩٦۱)، الجزء الحادي عشر (تشرين الثاني)، صفحاتٍ استثنائيّة امتدّت من الصفحة ٦٤١ إلى الصفحة ٧٥٢، في عددٍ خاصّ خُصّص للرسالة العامّة البابويّة الخالدة “الكنيسة أمّ الشعوب ومربّيتها”». فجاء العدد أشبه بمنبرٍ فكريّ وروحيّ كبير، نقل إلى القرّاء العرب أصداء هذا الحدث الكنسيّ العالمي، وفتح أمامهم آفاق التأمّل في رسالة الكنيسة ورسالتها الخلاصيّة في العالم المعاصر.

لقد قدّمت الرسالة العامّة رؤيةً سامية للكنيسة بوصفها أمًّا تحتضن جميع الشعوب دون تمييز، ومربّيةً تقود الإنسان إلى كرامته الأصيلة التي أودعها الله فيه. ففي زمنٍ كانت فيه الأيديولوجيّات المتصارعة تهدّد وحدة الأسرة البشريّة، جاءت كلمات البابا لتؤكّد أنّ الإنسان ليس مجرّد رقمٍ في منظومة اقتصاديّة أو سياسيّة، بل هو صورة الله الحيّة، وغاية كلّ نظامٍ اجتماعيّ عادل.

واستطاعت «المسرّة» أن تحوّل هذا التعليم البابوي إلى مادّة حيّة تنبض بالفكر والإيمان، فجمعت بين النصوص والتأمّلات والشروح التي أبرزت أبعاد الرسالة اللاهوتيّة والاجتماعيّة والإنسانيّة. ولم يكن الهدف مجرّد عرض وثيقة كنسيّة، بل إظهار ما تحمله من دعوةٍ متجدّدة إلى العدالة، والتضامن، واحترام حقوق الإنسان، وبناء عالمٍ أكثر أخوّة وسلامًا.

كما كشف العدد عن الوعي العميق الذي ميّز المدرسة الفكريّة التي حملتها «المسرّة» عبر عقود طويلة. فقد أدرك القائمون عليها أنّ الرسائل البابويّة ليست أحداثًا عابرة في سجلّ الكنيسة، بل محطّات تاريخيّة ترسم ملامح العلاقة بين الإنجيل والعالم، وتُضيء دروب المؤمنين في مواجهة التحدّيات المتغيّرة.

واليوم، وبعد مرور أكثر من ستّة عقود على صدور ذلك العدد، ما تزال صفحاته تحتفظ ببريقها الفكريّ والروحيّ. فهي تشهد على مرحلةٍ مفصليّة سبقت انعقاد المجمع الفاتيكاني الثاني بقليل، حين كانت الكنيسة تستعدّ لربيعٍ جديد من الانفتاح والحوار والشهادة. كما تشهد على حبرٍ قدّيس رأى في الكنيسة بيتًا لجميع الأمم، وعلى مجلّةٍ لبنانيّة عريقة حملت هذا الصوت إلى القارئ العربي بأمانةٍ وإخلاص.

إنّ العودة إلى هذا العدد الخاصّ ليست مجرّد استذكارٍ لصفحاتٍ من الماضي، بل هي لقاءٌ متجدّد مع رؤيةٍ كنسيّة ما تزال تُلهم المؤمنين حتى يومنا هذا: كنيسةٌ أمّ، تحتضن؛ وكنيسةٌ مربّية، تُرشد؛ وكنيسةٌ شاهدة، تحمل نور المسيح إلى الشعوب كافة. وهكذا يبقى عدد «المسرّة» المخصّص لرسالة “الكنيسة أمّ الشعوب ومربّيتها” علامةً مضيئة في تاريخ الصحافة الكنسيّة العربيّة، ووثيقةً حيّة تُذكّر الأجيال بأنّ رسالة الكنيسة، مهما تبدّلت الأزمنة، تظلّ رسالة محبّةٍ وخدمةٍ وخلاص.