Al Massara

11 July 2026

على خُطى بولس… ورجالٍ حملوا النور

A-
A
A+

هناك رجالٌ لا تُقاس عظمتهم بما صنعوه لأنفسهم، بل بما سمحوا لله أن يصنعه فيهم. رجالٌ مرّوا في التاريخ بهدوء النسّاك أحيانًا، وبجرأة الأنبياء أحيانًا أخرى، فتركوا وراءهم أثرًا لا تمحوه القرون. وعندما نتأمل في مسيرة الكنيسة الأولى، نجد أن أسماء كثيرة أضاءت سماء الإيمان، لكن بعضها بقي كالكواكب الخافتة التي لا تبحث عن الضوء لنفسها، بل تعكس نورًا أتى من مصدر أعظم.

في قلب هذه المسيرة يقف القديس بولس الرسول، ذلك الرجل الذي اختبر انقلابًا جذريًا في حياته، فتحوّلت غيرته من سلاحٍ للمطاردة إلى شعلةٍ للكرازة، ومن طريقٍ يقوده إلى اضطهاد المؤمنين إلى دربٍ يقوده نحو بذل الذات في سبيل المسيح. لقد أصبح بولس، بنعمة الله، رسول الأمم وحامل البشارة إلى آفاق لم تكن الكنيسة قد بلغتها من قبل.

لكن بولس، على عظمته، لم يكن بطلًا منفردًا في قصة الإنجيل. فالله الذي يدعو الأشخاص، يدعو أيضًا الجماعات؛ والذي يختار رسولًا، يهيّئ حوله إخوةً وشركاء في الرسالة. لذلك، حين نقرأ سفر الأعمال ورسائل العهد الجديد، نكتشف أن خلف اسم بولس وجوهًا أخرى، قد لا تتصدر العناوين، لكنها شاركت في صنع التاريخ المقدس.

هناك تيموثاوس، الشاب الذي سلّم قلبه للرب فأصبح ابنًا روحيًا للرسول العظيم. وهناك تيطس، رجل الحكمة والاتزان، الذي حمل مسؤوليات صعبة في الكنائس الناشئة. وهناك سيلا، رفيق السفر والسجن والصلاة في ليالي الألم. وهناك برنابا، ابن التشجيع، الذي عرف كيف يرى عمل النعمة في القلوب قبل أن يراه الآخرون. وهناك أبلوس، الخطيب المشتعل غيرةً على كلمة الله. وبين هؤلاء وغيرهم تتشكل لوحة جميلة من الإخوة العاملين معًا في كرم الرب.

ليست هذه السلسلة محاولةً لقراءة التاريخ فحسب، بل دعوة إلى الإصغاء. الإصغاء إلى ما يقوله الروح القدس من خلال حياة هؤلاء الرجال. فبين سطور رحلاتهم، وبين المدن التي اجتازوها، وبين السفن التي حملتهم، والسجون التي احتضنت صلواتهم، تختبئ دروسٌ لا تزال حيّة حتى اليوم.

سنرافقهم في الطرقات الرومانية القديمة، ونصغي إلى صدى عظاتهم في ساحات المدن، ونقف معهم أمام التحديات والانقسامات والاضطهادات. سنرى كيف كان الإيمان ينمو وسط الهشاشة البشرية، وكيف كانت الكنيسة تتجذر في عالم مضطرب، وكيف كان الله يكتب تاريخ الخلاص بأشخاصٍ عرفوا أن يكونوا أمناء أكثر مما أرادوا أن يكونوا عظماء.

في زمنٍ يبحث فيه الكثيرون عن النجومية، تذكرنا سيرة هؤلاء التلاميذ بأن القداسة تبدأ غالبًا من الخدمة الصامتة، وأن الله لا يحتاج إلى أصحاب النفوذ بقدر ما يبحث عن القلوب المستعدة. فكم من اسمٍ لم يحفظه التاريخ جيدًا، لكنه محفوظ في قلب الله، وكم من جهدٍ خفيّ ساهم في نشر الإنجيل أكثر من أعمالٍ ملأت الدنيا ضجيجًا.

لذلك ندعو القارئ العزيز إلى أن يدخل معنا هذه الرحلة لا كمؤرخٍ يفتش عن الأحداث فحسب، بل كمؤمنٍ يبحث عن المعنى، وكحاجٍّ يسير على دروب من سبقوه في الإيمان. فربما نجد في تيموثاوس شيئًا من ضعفنا، وفي سيلا شيئًا من صبرنا المنشود، وفي برنابا شيئًا من دعوتنا إلى التشجيع، وفي تيطس شيئًا من مسؤولياتنا، وفي بولس نفسه شيئًا من تلك النعمة التي لا تملّ من تحويل القلوب.

إنها رحلة في التاريخ، نعم، لكنها قبل كل شيء رحلة في عمق الدعوة المسيحية؛ رحلة تبدأ من طرق دمشق، وتمتد عبر مدن البحر المتوسط، ولا تنتهي إلا عند ذلك اللقاء الذي اشتاق إليه بولس وكل القديسين: لقاء الرب الذي أحبوه وخدموه حتى النفس الأخير.

فلتكن هذه الصفحات مساحة تأملٍ وشكر، ولنسر معًا على خُطى بولس وتلاميذه الأوائل، حاملين في قلوبنا الرجاء نفسه الذي حملوه، والإيمان نفسه الذي غيّر وجه العالم.