اليوبيل الذهبي لمجلّة “المسرّة” (۱٩۱٥ – ۱٩٦٥ )
في مسيرة الأمم والشعوب، تمرّ أعوام كثيرة تذروها رياح الزمن، أمّا الأعوام التي تُكرَّس لخدمة الحقّ والإيمان والثقافة فتبقى محفورة في ذاكرة التاريخ كمنارات لا تنطفئ. ومن هذا القبيل يطلّ علينا العدد الخاص الصادر بمناسبة اليوبيل الذهبي لمجلّة «المسرّة» سنة ۱٩٦٥، ليؤرّخ لخمسين عامًا من العطاء الفكري والروحي والثقافي، خمسين عامًا من الشهادة للكلمة التي حملت نور الإنجيل إلى العقول والقلوب.
لقد وُلدت «المسرّة» في مطلع القرن العشرين وسط تحوّلات كبرى شهدها الشرق، فكانت منذ انطلاقتها رسالةً قبل أن تكون مجرّد مطبوعة، ومنبرًا قبل أن تكون صفحاتٍ تُقرأ. حملت هموم الإنسان الشرقي، ورافقت مسيرة الكنيسة، وساهمت في حفظ التراث الروحي والأدبي والتاريخي لشعوب هذه المنطقة المباركة. ومن دير سيدة اللويزة في حريصا، انطلقت كصوتٍ هادئ لكنّه عميق الأثر، يشبه النبع الذي لا يضجّ لكنه يروي الأجيال.
خمسون عامًا مرّت، تعاقبت خلالها الأحداث والأزمات والحروب والتحديات، فيما بقيت «المسرّة» ثابتة في رسالتها، حارسةً للهوية، وأمينةً للتراث، ومؤمنةً بأن الثقافة الحقيقية هي تلك التي ترفع الإنسان نحو الحقيقة والخير والجمال. وعلى صفحاتها تلاقى اللاهوت بالتاريخ، والأدب بالإيمان، والعلم بالروحانية، فشكّلت مدرسة فكرية متكاملة أغنت المكتبة العربية المسيحية وأثرت الحياة الثقافية في المشرق.
إن اليوبيل الذهبي ليس مجرد ذكرى زمنية، بل هو وقفة تأمل وشكر. شكر لله الذي بارك هذه الرسالة نصف قرن من الزمن، وشكر للرهبان البولسيين الذين حملوا عبء الكلمة بأمانة وإخلاص، وشكر لكل الكتّاب والباحثين والشعراء والمؤرخين الذين أغنوا صفحات المجلة بعطاءاتهم الفكرية. إنها مسيرة أجيال كاملة آمنت بأن الكلمة المكتوبة تستطيع أن تكون صلاة، وأن المقالة يمكن أن تتحوّل إلى شهادة، وأن الثقافة قادرة على أن تصبح رسالة خلاص ورجاء.
وفي هذا الاحتفال الذهبي، تبدو «المسرّة» كشمعة مضيئة وسط تاريخ طويل من الخدمة. خمسون عامًا لم تُضعفها، بل زادتها نضجًا ورسوخًا، وجعلت منها شاهدًا حيًا على تطور الحياة الكنسية والثقافية في لبنان والشرق. فقد وثّقت الأحداث، وحفظت الذاكرة، ورافقت التحولات الكبرى، حتى أصبحت مرجعًا لا غنى عنه للباحثين والمؤرخين والمهتمين بتاريخ الكنيسة والمجتمع.
وإذا كان الذهب يرمز إلى النقاء والثبات والقيمة النفيسة، فإن يوبيل «المسرّة» الذهبي يجسّد هذه المعاني كلها. فهذه المجلة لم تكن مشروعًا عابرًا، بل رسالة متواصلة عبر الزمن، حملت مشعل المعرفة والإيمان جيلاً بعد جيل، حتى استحقّت أن تُتوَّج بخمسين سنة من العطاء المبارك.
واليوم، ونحن نستذكر هذا العدد التاريخي الصادر سنة ۱٩٦٥، ندرك أنّ «المسرّة» لم تكن مجرّد مجلة، بل صفحة مشرقة من تاريخ النهضة الثقافية والروحية في المشرق العربي. إنها قصة وفاء للكلمة، وإخلاص للحقيقة، وإيمان بأن النور مهما اشتدّت الظلمات يبقى قادرًا على أن يشعّ في الآفاق.
فطوبى لخمسين عامًا من الخدمة المباركة، وطوبى للكلمة التي بقيت حيّةً في ضمير الأجيال، وطوبى لـ«المسرّة» التي جعلت من الحبر رسالة، ومن الفكر صلاة، ومن الثقافة طريقًا إلى الله.
-
-
أبحاث تاريخية وفكرية“الكنيسة أمّ الشعوب ومربّيتها”
11 July 2026 -
أبحاث تاريخية وفكريةعندما التقت السماء بالأرض
11 July 2026 -
أبحاث تاريخية وفكريةعندما ارتدى العالم ثوب الحداد
11 July 2026 -
أبحاث تاريخية وفكريةعبد الله الزاخر… شعلةُ الحرف التي أضاءت المشرق
11 July 2026 -
أبحاث تاريخية وفكريةإبراهيم اليازجي… مئة عام على ميلاد نهضةٍ لم تزل تنبض
11 July 2026 -
أبحاث تاريخية وفكريةعندما صمتت البطريركية وبكت أنطاكية
11 July 2026 -
أبحاث تاريخية وفكريةشربل… الناسك الذي أضاء الشرق
11 July 2026 -
أبحاث تاريخية وفكريةحين ارتدت السماءُ ثوبَ مريم… العدد الذي حوّل “المسرّة” إلى كاتدرائية من نور
11 July 2026
-
-
-
أبحاث تاريخية وفكريةفي رحاب الذاكرة المقدسة
10 July 2026 -
أبحاث تاريخية وفكريةالخوري قسطنطين الباشا المخلصي: رصد شامل لمقالاته وسلاسله التاريخية في الصحافة الكنسية
11 July 2026 -
أبحاث تاريخية وفكريةعندما صمتت البطريركية وبكت أنطاكية
11 July 2026 -
أبحاث تاريخية وفكريةعندما التقت السماء بالأرض
11 July 2026
-

