“المسرّة” ترثي قداسة البابا بولس السادس في عدد تاريخي استثنائي (۱٩٧٨)
في السادس من آب سنة ۱٩٧٨، خيّم صمتٌ مهيب على الكنيسة الجامعة، وارتفعت الصلوات من مشارق الأرض إلى مغاربها، فيما كانت أجراس الكنائس تقرع بحزنٍ نبيل معلنةً رحيل رجلٍ من كبار رجالات العناية الإلهية، رجلٍ حمل على كتفيه أعباء مرحلةٍ من أكثر مراحل التاريخ الكنسي دقةً وحساسيةً. لقد غاب عن هذا العالم قداسة البابا بولس السادس، لكن حضوره الروحي بقي منقوشًا في ضمير الكنيسة وفي ذاكرة القرن العشرين.
ومن قلب هذا الحزن الكنسي العميق، أصدرت مجلة «المسرّة» عددًا خاصًا واستثنائيًا بمناسبة وفاة المثلث الرحمات قداسة البابا بولس السادس (۱٨٩٧ – ۱٩٧٨ ) ، ضمن السنة الرابعة والستين من مسيرتها المباركة، في الأعداد ٦٣٨ – ٦٤٠ (ت۱ – ك۱)، الممتدة على صفحاتٍ غنية بالوثائق والشهادات والدراسات والتأملات الروحية، لتتحول صفحات المجلة إلى سجلّ وفاء لرجلٍ صنع جزءًا مهمًا من تاريخ الكنيسة المعاصر (ص ٦٧٣ – ٩۱٦ ).
لم يكن البابا بولس السادس مجرد حبر أعظم جلس على كرسي بطرس الرسول، بل كان راعيًا حمل همّ الكنيسة والعالم في زمن التحولات الكبرى. ففي عهده اكتمل انعقاد المجمع الفاتيكاني الثاني، ذلك الحدث التاريخي الذي فتح آفاقًا جديدة للحوار والتجدد والانفتاح، ورسّخ حضور الكنيسة في عالمٍ يتغير بوتيرة غير مسبوقة. كان رجل الإصغاء والحكمة، رجل الجسور التي امتدت بين الشعوب والكنائس، ورجل السلام الذي رفع صوته مرارًا دفاعًا عن كرامة الإنسان وحق الشعوب في العيش بسلام وعدالة.
لقد سار البابا الراحل وسط عواصف فكرية وسياسية وروحية عاتية، لكنه بقي ثابتًا كالصخرة التي تستند إلى الإيمان. وفي كل خطاب ونداء ورسالة، كان يحمل قلق الراعي على القطيع، وحرص الأب على أبنائه المنتشرين في أصقاع الأرض. ولذلك لم يكن خبر وفاته مجرد حدث كنسي، بل لحظة إنسانية عالمية شعر بثقلها المؤمنون وغير المؤمنين على حد سواء.
وجاء العدد التذكاري لمجلة «المسرّة» ليجسد هذا الشعور الجماعي بالفقدان. فبين صفحاته تتعانق كلمات الرثاء مع التأملات اللاهوتية، وتلتقي الشهادات التاريخية مع الصلوات الحارة، في لوحة وفاء تليق بحبرٍ ترك بصمة لا تُمحى في تاريخ الكنيسة. وكأن المجلة أرادت أن تجعل من هذا الإصدار مذبحًا من الكلمات تُرفع عليه قرابين الامتنان لرجلٍ أفنى حياته في خدمة الإنجيل والإنسان.
وفي استعراضها لمسيرة البابا بولس السادس، لا تكتفي «المسرّة» بسرد الوقائع والأحداث، بل تنفذ إلى عمق الرسالة التي حملها. رسالة الانفتاح دون التفريط بالحقيقة، والحوار دون التخلي عن الإيمان، والتجدد دون الانفصال عن الجذور الرسولية. وهي القيم التي جعلت من حبريته إحدى أكثر الحبريات تأثيرًا في التاريخ الحديث.
وإذا كانت الكنيسة قد ودّعت في صيف ۱٩٧٨ راعيًا عظيمًا، فإنها كانت تودّع أيضًا حقبة كاملة من الشهادة والتضحية والعمل الرسولي الدؤوب. غير أن الرجال الذين يهبون حياتهم لله لا يغيبون حقًا؛ فهم يستمرون في ذاكرة الكنيسة وفي ثمار أعمالهم وفي الأجيال التي ألهموها.
هكذا يقف هذا العدد الخاص من «المسرّة» شاهدًا على لحظة تاريخية مهيبة، لحظة اختلطت فيها الدموع بالرجاء، والحزن بالإيمان، والوداع بوعد القيامة. إنه أكثر من مجرد عدد تذكاري؛ إنه وثيقة وفاء كنسية وروحية تحفظ للأجيال القادمة ذكرى بابا عظيم عبر زمنٍ استثنائي.
سلامٌ لروح البابا بولس السادس، الذي عبر من خدمة الكنيسة على الأرض إلى مجد السماء، وبقي اسمه محفورًا في سجل الرجال الذين جعلوا من حياتهم رسالة، ومن رسالتهم نورًا يهدي الشعوب إلى دروب الحق والسلام.
-
-
أبحاث تاريخية وفكرية“الكنيسة أمّ الشعوب ومربّيتها”
11 July 2026 -
أبحاث تاريخية وفكريةعندما التقت السماء بالأرض
11 July 2026 -
أبحاث تاريخية وفكريةخمسون عامًا من النور والكلمة
11 July 2026 -
أبحاث تاريخية وفكريةعبد الله الزاخر… شعلةُ الحرف التي أضاءت المشرق
11 July 2026 -
أبحاث تاريخية وفكريةإبراهيم اليازجي… مئة عام على ميلاد نهضةٍ لم تزل تنبض
11 July 2026 -
أبحاث تاريخية وفكريةعندما صمتت البطريركية وبكت أنطاكية
11 July 2026 -
أبحاث تاريخية وفكريةشربل… الناسك الذي أضاء الشرق
11 July 2026 -
أبحاث تاريخية وفكريةحين ارتدت السماءُ ثوبَ مريم… العدد الذي حوّل “المسرّة” إلى كاتدرائية من نور
11 July 2026
-
-
-
أبحاث تاريخية وفكريةفي رحاب الذاكرة المقدسة
10 July 2026 -
أبحاث تاريخية وفكريةالخوري قسطنطين الباشا المخلصي: رصد شامل لمقالاته وسلاسله التاريخية في الصحافة الكنسية
11 July 2026 -
أبحاث تاريخية وفكريةعندما صمتت البطريركية وبكت أنطاكية
11 July 2026 -
أبحاث تاريخية وفكريةعندما التقت السماء بالأرض
11 July 2026
-

